ينابيع السعادة

|
من أعجب الأمور أن الفقراء أسعد من الأغنياء، وهو ما دفع المذيعة الألمانية (كريستيانه بيكر) Christeane Becker إلى اعتناق الإسلام، عندما اجتمعت برهط من المسلمين الفقراء في باكستان؛ فكانوا يقدمون لها أشياءهم القليلة بحب وسعادة، فتذكرت ألمانيا وكثرة الأشياء ومحق البركة وانطفاء السعادة وتحول الوجوه إلى كلحة الليل وعبوس الظلام. قالت كنت ّإذا انتهيت من برامجي الناجحة تحول العالم حولي إلى برد من العلاقات الاجتماعية يقترب من جليد القطب، فكنت أعيش برد الوحدة أبحث عن الدفء حتى وجدته فانشرح صدري للإسلام، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ، واطمأن قلبي، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. يظن البعض أن الثروة تخلق السعادة وهي جزء من الحقيقة؛ فليس أغنى من (كريستينا) بنت (أوناسيس) إمبراطور أسطول بحري لناقلات البترول، وماتت انتحارا وقهرا وغماً. ولو كان المال شرفا، لكان (قارون) سيد الأنبياء؛ فخسفنا به وبداره الأرض؛ فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين. ويظن البعض أن الشهرة سبب للسعادة، ولو كان ذلك صحيحا، لكانت مارلين مونرو الأمريكية الشهيرة سيدة السعداء، ولكنها أنهت حياتها غما وقهرا وسما بالانتحار. لو كان النفوذ سببا للسعادة، لما أنهى وزير المالية الفرنسي (فوكيه) وزير الملك لويس الرابع عشر الملقب بملك الشمس، حياته في زنزانة إفرادية في جبال الألب، أو العديد من الوزراء والمسؤولين الكبار، وهم يرتعدون فرقا كل حياتهم في المنصب وخارجه على عروش وهمية ومناصب هي كرسي الإعدام. ويقال عن (نيكيتا خروشوف) إن ما أبقى على حياته عند ستالين، أن تحول إلى مهرج في حفلاته، فكان الجبار يصب عليه خمر الفودكا، ويضحك الآخر مستلقيا على ظهره. ويظن البعض أن اللذة هي السعادة، ومنه دعا الفيلسوف اليوناني (أبيقور) إلى اغتراف اللذات في الحياة، وينقل عنه قوله حين سئل إن كان يرهب الموت؟ فأجاب إنه عندما يحضر الموت فلن نكون موجودين! وأكبر نموذج لشذوذ اغتراف اللذات شاعر الجاهلية (طرفة بن العبد) و(الخيام) اللذين رأيا في الحياة، تلك الفترة القصيرة، التي هي أقصر من أن نقصرها بالترهات؛ فيجب ملئها بالكأس والطاس، والمغنيات والراقصات، واهتبال فرص المتعة دون حدود؛ فهي حياة واحدة ليس من بعدها قرار وقيامة وسؤال ومصير ورجعة من عمق البلى. ولكن الملذات مشكلة من جهتين؛ فالإفراط في تعاطي الكحول يقود لتشمع الكبد، والإفراط في الجنس ينتهي إما بالأمراض التناسلية من الزهري والايدز والسيلان البني، أو على العكس بعد الشبق البرود الجنسي عكس مقصوده. وأعظم اللذات عندما تأتي في وضع الإشباع؛ سواء الماء مع شدة العطش، أو الطعام مع فرط الجوع، أو الاتصال الجنسي بعد طول فراق وإثارة مناسبة. ويرى عالم النفس البريطاني أنه لابد من التفريق بين ثلاث؛ السرور والسعادة واللذة. فاللذة هي ممارسة الغرائز دون البعد الأخلاقي، وهو أمر نشترك فيه مع الحيوانات؛ فيتفوق علينا الثور بعضلاته والعصفور بسفاده. أما السرور فهي ممارسة متعة غريزية ضمن إطارها المعنوي الأخلاقي. ولكن السعادة هي عملية التوازن بين إشباع الغرائز، وهو يصل بكلامه هذا إلى فتح علمي؛ فيمكن لفلاحة أو بدوية تعيش في خيمة، أن تكون في غاية السعادة وقمة المتعة في ظروف الحرمان والشظف، كما يمكن أن يحصل عكسه لأكبر مسؤول في كرسي الحكم. بمعنى أن المرأة التي تقوم بإشباع غرائزها على نحو سوي وأخلاقي، يمكن أن تتمتع بسعادة دون حدود، في الوقت الذي يحرم منه مسؤول كبير، لا ينقصه المال والخدم والحشم والنفوذ والشهرة. ويروى عن بعض الصوفية قولهم لو علم الملوك بما نحن فيه من السعادة لقاتلونا عليها بالسيوف. ووصف الله عباده الصالحين في أكثر من مكان أنهم تحرروا من مرضين كبيرين هما الخوف والحزن. ومن تخلص من الحزن وصل إلى السعادة والتنوير. ومن نجا من الخوف ذاق راحة البال عطاء غير مجذوذ.
إنشرها