اليمن السعيد ؟!

|
في يوم من الأيام كانت اليمن مكانا للسعادة فيها جنة عدن، ولكنها تحولت مع الوقت إلى فقر وبؤس وتشرد، وغادر من اليمنيين اليمن السعيد أكثر ممن بقي فيها. ويحكي القرآن قصة سيل العرم وكيف مزق أهلها شر ممزق فذهبت بهم الأمثال تفرقوا أيدي سبأ؟ وحتى اليوم ليس عندنا معلومات تفصيلية عن مناسبة اجتماع القمة الذي حصل بين ملكة سبأ ونبي الله سليمان عليه السلام في القدس قبل ثلاثة آلاف عام. وليس عندنا فكرة عن ظروف انهيار السد العظيم في مأرب، كما لا نحيط بالظروف التاريخية والمناخ الاجتماعي والنفسي الذي مكن لصعود أكثر من امرأة الى سدة الحكم في اليمن، منهم ملكة أخرى مشهورة اسمها أروى. وذكرت الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي بحثاً تفصيلياً في كتابها (سلطانات منسيات) أسماء عديد من الملكات، اللائي حكمن اليمن الذي سمي سعيدا، واعتبرت الجنة في عدن، حسب رؤى الأقدمين!! ورأى البعض في المجتمع اليمني يوماً ما مجتمع أمومة (ماتريارك) خلافا للمجتمعات الحالية التي يتحكم فيها الذكور. ونحن اليوم وبواسطة الكشوف التاريخية التي بدأت منذ فترة قريبة، نعرف أن سر غنى اليمن كان بسبب البخور المستخرج صمغه من الشجر، حيث تجرح الشجرة في عدة أمكنة في فصل الصيف القائظ، وتترك ليسيل منها دمها الذي يجري على شكل عصير يتجمد مثل شمع العسل بلون ذهبي، أو صمغ الراتنج، فإذا احرق تصاعدت منه أبخرة كثيفة. ولشدة تعلق الناس بها فقد أمر نيرون عندما ماتت محظيته بوبيا أن يتم حرق المستورد منه لمدة عام كامل على قبرها. وكانت روما تدفع من عملتها 100 مليون سسترس كل عام على المادة الجذابة. ونعرف عن اللقاء التاريخي الحاسم، الذي تم على الأغلب عام 950 قبل الميلاد، بين ملكة بلقيس وسليمان أنه كان من أكثر اللقاءات مدعاة للإثارة، وظهرت هذه المرأة وهي تملك من الحكمة واللباقة من التصرف، ما خلدها القرآن بكلام في غاية الجمال، وآثرت حل الإشكال السياسي بطريقة سلمية، وحضرت بنفسها لتتعرف بفضول على سليمان، ولما تعرفت على دعوته لم تتردد في اعتناقها، كما ذكر القرآن وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. كما أن المعلومات المتوافرة تقول إن انهيار السد العظيم كان قبل فترة قصيرة من بعثة الإسلام، وذكراه مازالت طازجة في الأذهان، وكان ذلك عام 600 للميلاد. وعكفت بعثة ألمانية حضرت إلى المنطقة في ظروف صعبة من اختطاف الأجانب والحكم القبلي حضرت ومعها معدات دقيقة للسبر، وحوالي 35 باحثاً وخبيرا في الآثار، إضافة إلى خبراء في اللغة والكتابة الحميرية. وقد تم الكشف عن ثلاث مناطق مهمة الأولى في مأرب، والثانية قريبة منها في منطقة أوسان، والثالثة مقبرة عوام، وفي الأخيرة تم العثور على ما سموه مقبرة مانهاتن، لوجود أبنية عملاقة من الطين بارتفاع عشرات الأمتار، مخصصة لقبور ما لا يقل عن عشرين ألف إنسان. ويبدو أن مأرب كانت عاصمة عملاقة في يوم من الأيام، وقد صمدت حاضرة الإمبراطورية وامتدت حتى ظفار وحضرموت والصومال وإثيوبيا على شكل مستعمرات لها، الى درجة أن الإمبراطور هيلاسلاسي الذي حكم الحبشة، اعتبر نفسه من نسل هذه السيدة بعد 250 جيلاً. ويبدو أن الرحلة التي كان يقوم بها تجار البخور امتدت الى مسافة 3700 كيلومتر، وتشعبت هذه الطرق الذهبية لبيع هذه المادة الثمينة، وكانت صعبة جدا أو مستحيلة؛ فلا السفن مناسبة ولا رياح البحر الأحمر الشمالية مواتية، ولا الطرقات مأمونة من القراصنة، وكانت الصحراء قاحلة قاتلة!! وجاء الحل من استئناس الجمل الذي يمكن أن يتحمل الرحلة لأيام بدون شرب الماء. وكانت الرحلة تستغرق أربعة أشهر في المتوسط. وهكذا قطع التجار رحلة الشتاء والصيف، يحملون هذه المادة الثمينة للوصول بها إلى مكة، ثم البتراء ثم غزة والإسكندرية لتتابع طريقها إلى روما وأثينا في أوروبا. وكان الكيلو من هذا الصمغ يعادل أجرة عامل لمدة شهر، واستعملته الكنيسة للبخور في أروقتها وكذلك السحرة والمشعوذون والمنجمون، كما استخدم في التطبيب كمادة طاردة للحشرات وقاتلة للجراثيم. والمهم فإن اليمن السعيد اغتنت من وراء هذه المادة التي احتكرت إنتاجها وبيعها إلى العالم، فضلا عن التوابل من الهند والحجار الثمينة لآلئ الخليج. وبذا بنت إمبراطورية مهمة وكانت مساحة مدينة مأرب في يوم من الأيام 110 هكتار ماهو أضخم من مدينة طروادة، التي تغنى بها هوميروس أربع مرات!!. واليوم تعكف البعثات العلمية على كشف النقاب عن حضارة عظيمة مغيبة تحت الأطلال. أما أهل اليمن غير السعيد هذه الأيام، فهم يترنحون وأفواههم منفوخة من القات، بعد أن دمر اقتصادهم من القهوة، ومع الفقر يأتي الإرهاب، فاجتمع العناء والغلاء والقات، ولن تقف اليمن يوما على قدميها، حتى تنشط من مصيبة القات.
إنشرها