الجوع والشبع

|
راحة الأبدان في قلة الطعام، وراحة القلب في قلة الآثام، وراحة اللسان في قلة الكلام .. هكذا قال المثل .. ولكن ليس هناك من مشكلة أعوص من موضوع الغذاء. وليس هناك من كلام قيل أكثر عن موضوع الغذاء؛ فالإنسان لا يعيش دون طعام، لأن وجوده متوقف عليه، ولكن التغذية السيئة تقود للمرض، وكثرة الطعام تقود إلى البدانة. والغذاء يحوي الطاقة والأملاح والفيتامينات والعناصر الضرورية للحياة. ونظريات تخفيف الوزن زادت وتشعبت دون حل لمشكلة السمنة. وتبقى لذة الطعام من أبدع اللذائذ، لمن تعود عليها واستطاب أصناف الطعام، واعتادت أمعاؤه على هذه الرطوبات. ولكن اللافت للنظر أن الاعتدال قلما يطبقه البشر أو يعتادوه، والعدل كما يراه الفلاسفة هو ذلك الميزان بين التفريط والإفراط . وعقد (ابن خلدون) فصلاً مذهلاً عن علاقة الهواء والجغرافيا والطعام في أبدان الناس وأخلاقهم. ووصل إلى نتائج عجيبة في علاقة الهواء في مزاج الناس، حينما رأى أن السود أقرب للخفة والولع بالرقص، بسبب الحرارة وأن «طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه وطبيعة الحزن بعكس ذلك» ويحصل الشيء نفسه لمن يدخل الحمامات «إذا تنفسوا في هوائها واتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت، لذلك حدث لهم فرح، وربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور. ويرى الرجل «أنه هذه الطبيعة تنطبق على أهل السواحل الحارة وأهل مصر «كيف غلب عليهم الفرح والخفة والغفلة عن العواقب، حتى إنهم لا يدخرون أقوات سنتهم ولا شهرهم، وعامة مأكلهم من الأسواق» خلافاً لسكان التلول الباردة» كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن وكيف أفرطوا في النظر في العواقب». ويرى (ابن خلدون) أن نوعية الطعام والإقلال منه أفضل «فتجد الفاقدين للحبوب والأدم من أهل القفار أحسن حالاً في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش، فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى، وأشكالهم أتم وأحسن، وأخلاقهم أبعد عن الانحراف، وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات» ويعتبر (ابن خلدون) أن نوعية الغذاء يلعب دورا في منح صفاء الذهن والذكاء، أو البلادة والغباء فيقول «والسبب في ذلك والله أعلم أن كثرة الأغذية وكثرة الأخلاط الفاسدة العفنة ورطوباتها تولد في الجسم فضلات رديئة تنشأ عنها بعد إقطارها في غير نسبة، ويتبع ذلك في انكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة اللحم، كما قلناه، وتغطي الرطوبات على الأذهان والأفكار بما يصعد إلى الدماغ من أبخرتها الرديئة؛ فتجيء البلادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال بالجملة». وهذا الرأي الذي ذهب إليه (ابن خلدون) ولم يكن طبيبا يوحي بعبقرية عجيبة، حيث نعرف اليوم عند مرضى الكبد المصابين بدوالي مريء ويعالجون جراحيا بتفريغ دم الأمعاء مباشرة عبر مفاغرة وريدية من الوريد البابي الذي يدخل إلى الكبد، فيحرف مجراه ليصب في الوريد الأجوف السفلي، أقول يعرف الأطباء أنه يصاب بعُته عقلي لاحق، بسبب عدم تنقية البروتينات عن طريق الكبد، وهذا الكلام يمكن قلبه على نحو أكثر دقة. إذا كان الكبد هو الحاجز فيمكن إغراق الدوران بالبروتينات من اللحم وسواه بطريقتين؛ فإما كانت الجراحة دون حاجز، أو القفز فوق الحاجز بزيادة الطعام، مما يسبب الخمول وضعف التركيز، وهي ظاهرة يعرفها كل منا بعد وجبة ثقيلة؛ فيميل للنوم، ويقف التفكير. وعقد الإمام (الغزالي) فصلاً جميلاً عن فضيلة الجوع. وهذا الكلام له دلالته في موسم الصيام الممتد شهرا كاملاً في السنة الهجرية، في دورة تتكرر كل عام دون توقف، مما يدخل قلبا استراتيجيا لنظام الغذاء عند المسلم، هذا إذا استفاد فعلا منه وأدرك أنه أداة لقلب مشاعر الإنسان ليحقق التقوى. ولكن الكثير من الناس في هذه الأيام حولت رمضان للنوم والطعام والغباء والتسلية .. وليسوا سواء منهم أمة قائمة يتلون آيات الله وهم يسجدون ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا.
إنشرها