التحفيز المالي للاقتصاد الخليجي خلال الأزمة

|
هناك اتفاق بين جانب كبير من الاقتصاديين على الدور الذي لعبته السياسة المالية في الخروج من أزمة الكساد العالمي في الثلاثينيات من القرن الماضي، وأن السياسة المالية كانت فاعلة، وربما كانت الأداة الوحيدة الفعالة في عملية استعادة مستويات النشاط الاقتصادي في دول العالم الغربي بعد الأزمة. فقد نشطت السياسة المالية للولايات المتحدة في عهد الرئيس روزفلت بصفة خاصة من خلال إنشاء إدارة الأشغال العامة بميزانية بلغت نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في ذلك الوقت، وذلك لتقديم التمويل اللازم للولايات لتمويل المشاريع العامة، وقد استخدمت الأموال في إنشاء المستشفيات والمدارس وساحات الملاعب والمطارات، إلى الحد الذي دعا البعض إلى انتقاد برنامج الإنفاق أنها تحول الأموال العامة لدفع أجور إلى العاطلين لكي يقوموا بأداء أعمال غير منتجة. غير أن مثل هذا الإنفاق لم يكن الهدف الأساسي منه هو هذه الأعمال غير المنتجة، وإنما كان هناك هدف أسمى وهو تحفيز الاقتصاد والخروج من حالة الكساد. كذلك فإنه في أعقاب الأزمة الآسيوية قامت اليابان في 1998 بتبني برنامج ضخم للتحفيز المالي Fiscal stimulus بنحو 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للخروج من الأزمة، وكان من الواضح الآثار الإيجابية للتحفيز المالي على أداء الاقتصاد الياباني في تلك الفترة، والذي ظهرت آثاره واضحة في العام التالي، حيث ارتفع معدل النمو بشكل واضح. قصور إجراءات السياسة النقدية بمفردها خلال الأزمة الحالية, أدى إلى إعادة الحديث عن دور السياسة المالية وأهمية التحفيز المالي في الخروج من الأزمة، ومن الواضح أن ظروف الأزمة الحالية هي ظروف مثالية لعمل السياسة المالية، المثيرة للجدل حول مدى فاعليتها، كمحفز للنشاط الاقتصادي. وفي واقع الأمر تتسم دول الخليج بأنها لا تعاني نقاط الضعف الأساسية للتحفيز المالي الذي يوجه إليه دائما الانتقاد في الاقتصاديات الصناعية. ويتمثل وجه الانتقاد الأساسي في أن التحفيز المالي لا يمكنه أن يساعد على توسيع مستويات النشاط الاقتصادي لأن العجز في الميزانية الناجم عن توسع الإنفاق لا بد أن يتم اقتراضه من جهة ما، وهو ما يؤدي إلى ما يسمى المزاحمة Crowding out، بمعنى آخر فإنه على المستوى الكلي أي زيادة في الإنفاق الحكومي لابد أن يصاحبها انخفاض في إنفاق إحدى المجموعات الاقتصادية في المجتمع، وهو ما يجهض أي أثر متوقع للتحفيز المالي. الدول الخليجية لا تقترض بشكل عام لتمويل عجز ميزانياتها، وإنما تلجأ إلى احتياطياتها المالية في تمويل العجز، الأمر الذي يسمح للتحفيز المالي أن يعمل بأقصى مستوياته على الاقتصاد من خلال مضاعف الإنفاق الحكومي. بادئ ذي بدء لا بد من الإشارة إلى أن هناك سمة أساسية للأزمة الحالية ذات أهمية خاصة في تحديد متطلبات التحفيز المالي المناسب للاقتصاد الخليجي، وهي أن الأزمة الحالية ستستمر لفترة زمنية لن تكون قصيرة، وهي على أفضل تقدير ستستمر عبر مدى زمني متوسط. ومن ثم هناك ضرورة للجوء دول الخليج للتحفيز المالي للمساعدة على الخروج من الأزمة، أو على أسوأ تقدير، للتخفيف من آثارها على المستوى الكلي. من ناحية أخرى, ينبغي الإشارة إلى أن التحفيز المالي للاقتصاد الخليجي سيرتكز على مجالات الإنفاق العام، نظرا لعدم وجود نظام ضريبي فعال في دول الخليج يمكن أن يعول عليه لأغراض الاستقرار الاقتصادي، أي أنه لن تكون هناك سياسات لتحفيز الاقتصاد من خلال التأثير في الإنفاق الاستهلاكي عن طريق خفض الضرائب. ولحسن الحظ فإنه يفضل ألا يتم التعويل على الخفض الضريبي أثناء الكساد نظرا لطول فترات التأخير في الأثر المصاحب لمثل هذه الإجراءات. مطلوب إذن من الحكومات الخليجية في الفترة الحالية تبني برامج ضخمة للإنفاق الحكومي لتحفيز اقتصادات دول الخليج في الأجل المتوسط للخروج من الأزمة الحالية، حتى وإن صاحب ذلك عجز في ميزانياتها العامة بفعل ضعف الإيرادات النفطية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أي نوع من الإنفاق العام ينبغي زيادته من أجل تحفيز اقتصادات دول الخليج؟ للأسف فإنه في السياق الحالي ليس لدينا تقديرات دقيقة لحجم مضاعف الإنفاق الحكومي حسب أنواع الإنفاق المختلفة، حتى يمكن من خلالها الحكم على أفضل أشكال الإنفاق، ومن ثم تقديم النصيحة الصحيحة لصانع السياسة حول الإجراءات الفعالة في دعم مستويات الطلب الكلي. ونتيجة لذلك يفضل تنويع سياسات الإنفاق بدلا من الاعتماد على أداة واحدة لدعم مستويات الطلب الكلي. وبصفة عامة هناك عدد من النقاط الأساسية التي يجب مراعاتها من قبل حكومات دول الخليج عند رسم سياسات التحفيز المالي وهي: 1 ـ على حكومات دول الخليج ألا تخفض برامج الإنفاق الحالية بسبب الانخفاض المتوقع في الإيرادات النفطية، بل على العكس من ذلك لا بد من اتباع سياسات معاكسة للدورة الاقتصادية من خلال زيادة الإنفاق في وقت ميل النشاط الاقتصادي نحو الانحسار، أي أن الإبقاء على مستوى الإنفاق مرتفعا يعد أمرا أساسيا في هذه المرحلة. ومن المعلوم أن مضاعف الإنفاق يعمل بأقصى قوته في أوقات الكساد، وهو ما يثير ملاحظة أساسية تتمثل في أنه ينبغي التأكد من القضاء على جميع جوانب الهدر في الإنفاق العام حتى تتحقق النتائج المنتظرة لبرامج الإنفاق الحكومي عبر دورات الإنفاق المختلفة بشكل كامل. 2 ـ على حكومات دول الخليج العمل على استمرار جميع مشاريع الاستثمار والصيانة، وعدم تأخير تلك المشاريع بسبب انخفاض الإيرادات، ويمكن في أسوأ الحالات التركيز على المشاريع الاستثمارية الحيوية ذات الروابط الخارجية القوية في الاقتصاد الوطني، التي يمكن أن تساعد بشكل مباشر على تنشيط مستويات الطلب الكلي، وبشكل غير مباشر من خلال تعديل التوقعات التشاؤمية. بعض الاقتصاديين يرى أن الإنفاق على البنية التحتية مثل توسيع الإنفاق على الصحة وإنشاء المزيد من المدارس والطرق ومشاريع البنية الأساسية يمكن أن يكون محفزا جيدا للاقتصاد، حيث يؤدي هذا الإنفاق إلى رفع مستويات السيولة وزيادة مستويات الدخول ومن ثم رفع مستويات الطلب الكلي ومستويات التوظيف. 3 ـ على حكومات دول الخليج أن تقدم الدعم لمشاريع القطاع الخاص التي تعمل في القطاعات الحيوية في الاقتصاد، لتفادي حالات الإفلاس، كما يجب عليها ألا تهمل خطط مراقبة برامج الإنفاق لقطاع الأعمال الخاص إذا ما تعثرت تلك البرامج، فمن الممكن أن تقوم الحكومات بالتوقيع على عقود مشاركة للمشاريع الجوهرية التي ينفذها القطاع الخاص التي تعثرت نتيجة نقص رؤوس الأموال الخاصة بسبب الأزمة لتتحول تلك المشاريع من مشاريع خاصة إلى مشاريع مشتركة، وغني عن البيان أن ذلك الأمر يجب أن يتم على أساس انتقائي, حيث تعطى الأولوية للمشاريع ذات الأهمية الاستراتيجية في القطاع غير النفطي. ذلك أن أساليب التعامل الحكومي مع الشركات الخاصة أثناء الأزمة يجب أن يختلف بعض الشيء، حيث ينبغي في هذه المرحلة التأكد من عدم قيام الشركات بخفض ميزانيات الاستثمار لديها بسبب نقص التمويل، وذلك من خلال إتاحة فرص التمويل بتكاليف منخفضة. وعلى الرغم من أن ذلك يدخل في إطار إجراءات السياسة النقدية، فإن الحكومة يمكنها أيضا أن تدعم الشركات التي تواجه مشكلات صعبة بسبب نقص فرص الحصول على التمويل اللازم بسبب طبيعة الأوضاع السائدة في القطاع المالي، بشرط التأكد من احتمال استمرار تلك الشركات على المدى الطويل من خلال جهود إعادة هيكلتها لضمان استمرارها، ومن خلال تقديم الضمانات الحكومية للائتمان الممنوح لتلك الشركات، مما يساعد على جهود إعادة الهيكلة. ومن المعلوم أن للإنفاق الاستثماري العديد من المزايا أهمها الأثر الكبير على الطلب الكلي في الأجل القصير، والأثر على جانب العرض في الأجل الطويل. ولكي يسهم هذا النوع من الإنفاق في التحفيز المالي ينبغي أن يتم القضاء على فترات التأخير بين اعتماد الإنفاق وبدء عملية التنفيذ للمشاريع، التي قد تأخذ فترات طويلة من الزمن. 4 ـ على حكومات دول الخليج تجنب أي زيادة في أجور القطاعين العام والحكومي كجزء من سياسات التحفيز المالي، لعدة أسباب أهمها، أولا أنه لا يمكن السيطرة على اتجاهات إنفاق هذه الزيادات في الأجور لمصلحة الانتعاش الاقتصادي، وثانيا لأنه من المستحيل تخفيضها في المستقبل، وكذلك الوضع بالنسبة لأية زيادات أخرى في تعويضات العاملين مثل الكوادر والمزايا .. إلخ. ومن الناحية الاقتصادية فإن أشكال التحفيز المالي التي تؤدي إلى زيادة دخول الأفراد أو الشركات مثل زيادة الإعانات والزيادات في الأجور والتخفيضات في الضريبة .. إلخ غير مفضلة بسبب اعتبارات عدم التأكد المصاحب لاستجابة الأفراد نتيجة الزيادة في دخولهم في فترات الكساد. 5 ـ على حكومات دول الخليج تجنب وقف عمليات التعيين الحكومي بسبب ظروف الأزمة، بل على العكس من ذلك فإن استمرار عمليات التعيين الحكومي يصبح أمرا مرغوبا جدا في المرحلة الحالية للتخفيف من ضغوط سوق العمل، وميل جانب كبير من الشركات في القطاع الخاص إلى الاستغناء عن جزء من العمالة لديها في ظل تراجع مستويات نشاطها المصاحب للأزمة. 6 ـ إن التزام حكومات دول الخليج بالتحفيز المالي لمعالجة الأزمة يجب أن يكون واضحا ومعلنا ومستمرا، حتى يسهم بشكل فعال في تعديل التوقعات التشاؤمية للقطاع الخاص، وكذلك المتعاملين في البورصات الخليجية، وهو ما قد يساعد على نشر جو تفاؤلي داخل تلك البورصات يساعد على وقف نزيف مؤشرات الأسعار في تلك الأسواق.
إنشرها