ما إن يهبط السائح في العاصمة البرتغالية، حتى يكتشف أن أفضل طريقة لاكتشاف لشبونة ليست دائمًا عبر الحافلة السياحية الكبيرة أو سيارة الأجرة التقليدية، بل من خلال مركبة صغيرة ذات ثلاث عجلات، تتسلل بخفة بين الأزقة والشوارع الضيقة، وتصعد التلال التي تشتهر بها المدينة، وتتوقف أمام الكنائس والقلاع والمباني التاريخية والتراثية ونقاط المشاهدة المطلة على نهر تاجه.
إنها الـ«توك توك»؛ تلك المركبة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة من وسيلة نقل آسيوية إلى منتج سياحي قائم بذاته في لشبونة.
يجلس السائح في المقعد الخلفي، بينما يتحول السائق إلى مرشد ومصور أحيانًا، يروي قصة المدينة ويشرح تاريخ أحيائها، من ألفاما وموراريا إلى قلعة ساو خورخي، مرورًا بالكاتدرائية ومناطق بيليم، في رحلة تجمع بين النقل والترفيه والثقافة.
تكمن جاذبية "التوك توك" في أنه يقدم ما لا تستطيع الحافلة الكبيرة تقديمه بسهولة: الحركة داخل الأزقة الضيقة، والصعود إلى المناطق المرتفعة، والتوقف أمام المعالم السياحية مباشرة تقريبًا.
رحلة تبدأ من عشرات اليوروات
لم تعد جولة "التوك توك" نشاطًا هامشيًا للسائح، وإنما أصبحت منتجًا سياحيًا له أسعار وبرامج ومسارات متعددة.
تظهر أسعار الجولات الحالية تفاوتًا كبيرًا بحسب مدة الرحلة وعدد الركاب والمسار.
بعض الجولات الخاصة لمدة ساعة تراوح تقريبًا بين 20-35 يورو للمركبة، فيما يمكن أن تصل جولة الساعتين إلى نحو 50–80 يورو، بينما تقدم شركات أخرى جولات أكثر فخامة وتنظيمًا بأسعار أعلى بكثير.
وفقا لموقع "Lisbon Trip" تعرض شركة "C.TUK"، على سبيل المثال، جولة إلى بيليم لمدة ساعتين مقابل 170 يورو، وجولات لمدة ساعة ونصف مقابل 140 يورو.
بالنسبة إلى مجموعة من أربعة أشخاص، فإن تكلفة جولة بـ140 يورو تعني نحو 35 يورو للفرد، مقابل تجربة سياحية خاصة ومرشد شخصي.
هنا تكمن معادلة اقتصادية مهمة: السائح لا يدفع فقط مقابل الانتقال من نقطة إلى أخرى، وإنما يدفع مقابل «التجربة». فـ "التوك توك" لا يُنافس سيّارة الأجرة فقط على المسافة، وإنما ينافسها على القيمة السياحية المضافة.
اقرأ أيضا: من المستطيل الأخضر إلى إمبراطورية المليار .. رونالدو يراوغ في عالم المال | صحيفة الاقتصادية
سيارة صغيرة.. وسوق سياحية كبيرة
تأتي هذه الصناعة الصغيرة في مدينة تستقبل ملايين الزوار سنويا.
طبقا لموقع "Turismo de Portugal"، فقد سجلت البرتغال عام 2025 عدد نزلاء بلغ 32.5 مليون في مؤسسات الإقامة السياحية، بينهم 19.7 مليون نزيل أجنبي.
كذلك، فقد ارتفعت الإيرادات السياحية في البلاد إلى نحو 29.1 مليار يورو، بزيادة 5% عن العام السابق.
في قطاع الإقامة وحده، سجلت البرتغال نحو 82 مليون ليلة مبيت خلال 2025.
بلغت إيرادات مؤسسات الإقامة السياحية نحو 7.13 مليار يورو، وفقا لـ "TravelBI".
أما الأثر الاقتصادي الأشمل للسياحة فيتجاوز بكثير قيمة حجوزات الفنادق والمطاعم.
فوفق حسابات السياحة الرسمية، بلغ الاستهلاك السياحي داخل الاقتصاد البرتغالي 49.35 مليار يورو في 2025، أي ما يعادل 16.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
باحتساب الآثار المباشرة وغير المباشرة، ساهم النشاط السياحي بما يقدر بنحو 36.17 مليار يورو في الناتج المحلي، أي 11.8% من الناتج المحلي الإجمالي للبرتغال.
بلغت القيمة المضافة المباشرة التي ولدها قطاع السياحة 21.47 مليار يورو، أي 8.1% من القيمة المضافة الوطنية.
هذه الأرقام تفسر لماذا أصبحت كل خدمة جديدة تقدم للسائح جزءًا من منظومة اقتصادية أكبر بكثير من حجمها الظاهري.
قصة إنسانية خلف المقوّد.. من يقود "توك توك" لشبونة؟
"التوك توك" في لشبونة أصبح سوق عمل تجتذب البرتغاليين والمهاجرين من جنسيات متعددة.
تشير تقارير صحفية إلى حضور قوي للسائقين البرازيليين إلى جانب البرتغاليين، فضلًا عن سائقين من إيطاليا وفرنسا وساحل العاج وكندا، إضافة إلى مهاجرين من الهند وبنجلادش. وأكثرهم من الجنسيات الآسيوية، الذين تمرسوا على هذه المهنة بعدما أتقنوا اللغة الإنجليزية.
هذه الطبيعة متعددة الجنسيات ليست غريبة عن سوق العمل السياحي البرتغالية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الأجنبية.
يقول سائق من الجنسية البلانجلادشية، كان قد قادنا مع زوجين من دولة بيرو في قارة أمريكا الجنوبية، "إن دخله اليوم قد يصل إلى 500 يورو، وأصبحت مهنته الأساسية، وقد يزيد في نهاية عطلة الأسبوع".
تستغرق الرحلة مع السياح نحو ساعة تجوال في المدينة، وهم يأتون في أفواج سياحية من دول مختلفة، خاصة التي تتحدث البرتغالية وهي اللغة الرئيسية هنا.
السائق هنا ليس مجرد موظف يقود مركبة. ففي كثير من الحالات هو واجهة المدينة أمام الزائر، يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية، وأحيانًا أكثر من لغة، ويحاول تحويل الطريق إلى قصة، والشارع إلى متحف مفتوح، والرحلة القصيرة إلى تجربة يتذكرها السائح بعد عودته إلى بلاده.
تكشف إعلانات توظيف حديثة في لشبونة عن أجور أساسية تراوح في بعض الوظائف بين 1000-1500 يورو شهريًا، مع وجود نماذج تعتمد على العمولات، وهو ما يربط دخل السائق مباشرة بحجم النشاط السياحي.
اقرأ أيضا: 30 شركة برتغالية تبحث فرص الاستثمار الصحي والبحثي مع السعودية | صحيفة الاقتصادية
من آسيا إلى أوروبا.. أين يُصنع التوك توك؟
اسم "التوك توك" نفسه يحمل جذورًا آسيوية، لكن المركبات المستخدمة في السياحة الأوروبية لم تعد نموذجا واحدا.
توجد اليوم مركبات كهربائية مخصصة للسياحة تصنعها شركات أوروبية، إلى جانب نماذج مستوردة من آسيا، خصوصًا الصين.
تقدم شركة "PFMobility" في البرتغال نماذج كهربائية من إنتاج "E-Tuk Factory"، من بينها "L5 Limo GT"، وهي مركبة كهربائية بالكامل مصممة للاستخدام السياحي وتتسع لما يصل إلى أربعة ركاب، مع مدى معلن يصل إلى نحو 130 كيلومترًا.
"التوك توك" محبوب السائح.. لماذا؟
الإجابة ليست اقتصادية فقط، بل إنسانية. فالسائح الذي يستقل "التوك توك" لا يجلس خلف زجاج حافلة كبيرة، إنه يشعر بأنه داخل المدينة نفسها.
الهواء يصل إلى وجهه، ويمكنه تصوير الأزقة والمباني والواجهات، ويمكنه أن يطلب من السائق التوقف في نقطة معينة لالتقاط صورة.
في مدينة مثل لشبونة، ذات الشوارع التاريخية الضيقة والتلال الكثيرة، تصبح هذه المرونة ميزة تنافسية حقيقية.
نجاح "التوك توك" يخلق مشكلة أخرى
المفارقة أن وسيلة النقل التي ساعدت على توزيع السياح داخل المدينة أصبحت هي نفسها مصدرا للقلق لدى سكان بعض الأحياء.
مع ازدياد أعداد المركبات السياحية، ارتفعت الشكاوى المرتبطة بالازدحام والوقوف واستخدام الفضاء العام، وهو ما دفع بلدية لشبونة إلى تشديد القواعد.
منذ عام 2025، أصبحت هناك قيود على حركة "التوك توك" في 337 شارعًا في عدد من أحياء العاصمة، مع تخصيص 251 مكانًا للوقوف والتوقف.
كانت البلدية قد أشارت إلى تزايد عدد المشغلين والشكاوى من السكان والتجار.
الأهم أن القطاع نفسه يعاني مشكلة إحصائية، إذ لا يوجد حتى الآن سجل موحد ودقيق يوضح عدد مركبات التوك توك العاملة في لشبونة، وفق تصريحات نقلتها تقارير عن ممثلي القطاع.
هنا تظهر معادلة صعبة أمام السلطات: كيف تستفيد المدينة من اقتصاد سياحي يولد الوظائف والدخل، من دون أن تتحول المناطق التاريخية إلى ساحات مزدحمة بالمركبات السياحية؟
رونالدو: هذا الموسم قد يكون الأخير في مسيرتي | صحيفة الاقتصادية
منافس للتاكسي أم شريك في منظومة النقل؟
من الخطأ النظر إلى "التوك توك" باعتباره بديلًا كاملًا لسيارات الأجرة أو الحافلات.
سيارة الأجرة مصممة أساسًا للنقل من نقطة إلى أخرى، بينما الحافلة السياحية قادرة على نقل أعداد كبيرة من الركاب بتكلفة أقل للفرد.
أما "التوك توك" فيحتل منطقة وسطى: مركبة صغيرة، خاصة، مرنة، وتجربة سياحية في الوقت نفسه.
لهذا، فإن منافسته الحقيقية ليست في السعر دائمًا، بل في تجربة السائح.
قد يدفع شخص 140 أو 170 يورو لجولة خاصة، بينما يستطيع الوصول إلى المكان نفسه بالتاكسي أو النقل العام بتكلفة أقل بكثير. لكنه في الحالة الأولى لا يشتري «رحلة» فقط، بل يشتري ساعتين من الترفيه والإرشاد والتصوير واكتشاف المدينة.
فالتحول نحو المركبات الكهربائية يمنح هذا النشاط فرصة لتقليل الضوضاء والانبعاثات، بينما يمكن للسلطات استخدام أنظمة الحجز والمواقف المحددة والمسارات المنظمة لتقليل تأثيرها في السكان.
توجد بالفعل نماذج كهربائية أوروبية مصممة خصيصا للاستخدام السياحي. كما أن بعض الشركات العاملة في لشبونة تمتلك أساطيل تضم عشرات المركبات الكهربائية.
تعلن إحدى الشركات، على سبيل المثال، عن أسطول يتجاوز 30 "توك توك" كهربائيًا.
لكن نجاح المستقبل لن يقاس بعدد المركبات التي تملأ شوارع لشبونة، وإنما بعدد السياح الذين تستطيع جذبهم إلى تجربة أفضل، وبعدد الوظائف التي تخلقها، وبحجم الإنفاق الذي توجّهه إلى الاقتصاد المحلي.
اقتصاد صغير داخل اقتصاد عملاق
في النهاية، قد يبدو "التوك توك" صغيرا جدًا مقارنة بالحافلات وسيارات الأجرة والفنادق وشركات الطيران. لكن قصته تختصر جزءًا مهمًا من التحول الذي شهده الاقتصاد السياحي الحديث.
السائح المعاصر لا يبحث فقط عن فندق ومطعم ومعلم سياحي؛ إنه يبحث عن تجربة قابلة للتصوير والمشاركة والتذكر، طبقا لموقع "TravelBI".
لهذا، أصبحت مركبة صغيرة بثلاث عجلات جزءًا من «اقتصاد التجربة» الذي يراهن عليه قطاع السياحة.
في بلد حقق 29.1 مليار يورو من الإيرادات السياحية في 2025، وساهمت السياحة فيه بما يقارب 11.8% من الناتج المحلي الإجمالي عند احتساب الآثار المباشرة وغير المباشرة، فإن "التوك توك" ليس سوى حلقة صغيرة في سلسلة اقتصادية ضخمة، تبدأ من المطار والفندق وتنتهي عند السائق الذي يروي للسائح قصة شارع قديم في قلب لشبونة.