أدت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما صاحبها من إغلاق لبعض الأجواء، إلى إعادة توجيه بوصلة السفر نحو الوجهات الداخلية، مدفوعة بارتفاع الطلب على المناطق الأقرب والأكثر استقرارا وسهولة التنقل البري داخليا، ما أسفر عن نمو "من خانتين" في أعداد السياح المحليين، وفقا لمختصين في السفر والسياحة تحدثوا لـ "الاقتصادية".
تظهر بيانات وزارة السياحة هذا الاتجاه، حيث بلغ عدد السياح المحليين 28.9 مليون خلال الربع الأول من 2026، بنمو 16% على أساس سنوي، في حين بلغ إنفاق السياحة المحلية 34.7 مليار ريال بزيادة 8% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق.
وافق شهر مارس ذروة الحرب التي شهدتها المنطقة والتي بدأت في 28 فبراير بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى قبل أن تعم جميع دول المنطقة.
مدير التواصل المؤسسي في تطبيق "المطار" عبدالله خوجه، قال إن مؤشرات السوق أظهرت تغيرا في سلوك المسافرين بنسبة 48% باتجاه الوجهات المحلية، في ظل تزايد أهمية المرونة في قرارات السفر، حيث لم يعد العميل يبحث عن أرخص تذكرة بقدر ما يفضل الخيارات التي تتيح له تعديل الحجز أو استرداده بسهولة عند تغير الظروف.
تكاليف تشغيلية وضغوط على الطيران
خوجه أشار إلى أن تغيير مسارات الطيران لتجنب مناطق التوتر يفرض أعباء إضافية على شركات الطيران، تشمل زيادة استهلاك الوقود نتيجة المسافات الأطول، وارتفاع زمن الرحلات، إلى جانب رسوم عبور الأجواء البديلة كما تتحمل الشركات تكاليف إعادة الجدولة واستضافة المسافرين عند تأخر الرحلات أو إلغائها.
مدير السياحة في وكالة النخبة للسفر محمود رخا، أوضح أن منصات السفر تتجه إلى تقديم خيارات أكثر مرونة، تشمل إمكانية تعديل الحجوزات أو استردادها، بما يحد من تأثير التغيرات المفاجئة على خطط المسافرين، مبينا أن العملاء أصبحوا يشترطون بشكل متزايد أن تكون الحجوزات قابلة للاسترداد أو التعديل، فيما يفضل بعضهم تأجيل قرار الحجز إلى وقت أقرب من موعد السفر لتفادي المخاطر.
وزير السياحة السعودي أحمد الخطيب كان قد أكد أن النمو الكبير في السياحة المحلية يشير إلى أن القطاع السياحي يمتلك المقومات اللازمة ومحركات الطلب المحلية التي تمكّنه من مواجهة الظروف الراهنة بثقة واستقرار، والحفاظ على مقومات النمو المستدام.

صورة(2)
لا انعكاس حاد على أسعار التذاكر
رغم أن وقود الطائرات يمثل أحد أكبر بنود التكلفة، فإن تأثيره في أسعار التذاكر لا يظهر بشكل حاد في الوقت الحالي، حيث تحاول شركات الطيران امتصاص جزء من هذه الزيادة للحفاظ على تنافسية الأسعار، خاصة في الوجهات غير المتأثرة بشكل مباشر بالأزمة، وفقا لرخا الذي أوضح أن أسعار التذاكر لا تزال ضمن مستوياتها الطبيعية في الوجهات التي لم تتأثر بشكل مباشر، في ظل توفر الرحلات واستقرار الجداول التشغيلية.
تعاف تدريجي للفنادق رغم التراجع
قطاع الضيافة الذي يعد من أكثر القطاعات حساسية للأحداث، شهد تراجعا في نسب الإشغال ببعض المدن الإقليمية، خصوصا الوجهات الخليجية التي سجلت نسب إلغاء مرتفعة خلال فترات الذروة.
رخا أوضح أن بعض الوجهات الإقليمية تأثرت بشكل ملحوظ، مع تسجيل نسب إلغاء مرتفعة، إلا أن التوقعات تشير إلى تعاف تدريجي مع استقرار جداول الطيران وعودة ثقة المسافرين.
في المقابل أسهمت الإجراءات الحكومية، بما في ذلك استضافة العالقين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، في تخفيف أثر الأزمة ودعم استقرار الطلب على الإقامة، وأوضح رخا أن الطلب على السياحة الداخلية ارتفع بأكثر من 40% مقارنة بالعام الماضي.
مسؤول السياحة في الشركة العربية لخدمات المسافرين شاهر حجازي، قال إن الطلب على السياحة الداخلية سجل نموا بنحو 30% على أساس سنوي، مدفوعا بعوامل الأمان وسهولة الوصول.
حجازي أضاف أن هذا النمو يظهر تحولا في تفضيلات المسافرين نحو الوجهات المحلية، في ظل التحديات المرتبطة بالسفر الخارجي، خاصة ما يتعلق بتغير مواعيد الرحلات أو إلغائها، ما يجعل الداخلية أكثر استقرارا ومرونة خلال هذه الفترة، مشيرا إلى أن تنوع الوجهات السياحية، بجانب تحسن الخدمات وتوسع الطاقة الاستيعابية في بعض المدن، أسهم بتعزيز جاذبية السياحة الداخلية ورفع قدرتها على استيعاب الطلب المتزايد، خصوصا خلال المواسم.
العلا والبحر الأحمر تقودان التحول
برزت وجهات نوعية مثل العلا ومشروع البحر الأحمر كأكبر المستفيدين من هذا التحول، حيث سجلت ارتفاعا في الحجوزات بنسبة تصل إلى 37%، وفقا لبيانات تطبيق "المطار"، فيما أشار مدير السياحة في وكالة النخبة إلى أن معدلات النمو على هذه الوجهات تراوح بين 40% و 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وقد تصل إلى 60% من إجمالي الحجوزات الداخلية في بعض الفترات خاصة مع تطور التجارب السياحية في هذه الوجهات، إلى جانب زيادة الفعاليات وتحسن البنية التحتية والخدمات.

صورة(3)
قراءة في التحول .. من التحدي إلى فرصة
أوضح رئيس الجمعية السعودية للسياحة عماد منشي، أن الطلب على السياحة المحلية سجل نموا بـ 16% الفترة الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع السياحة الوافدة 13%، وفقا لبيانات وزارة السياحة يعود في جوهره إلى عدة عوامل، من أبرزها تعطل بعض الرحلات الجوية في المنطقة وتراجع كفاءة الربط عبر بعض المطارات الخليجية، ما دفع شريحة من المسافرين إلى إعادة توجيه خططهم نحو الوجهات الداخلية.
منشي بين أن موسمي رمضان والعمرة أسهما في تعزيز الطلب على مكة المكرمة والمدينة المنورة، فيما سجلت وجهات البحر الأحمر معدلات إشغال مرتفعة وصلت إلى مستويات كاملة في بعض المنتجعات، ما يبرز جاهزية البنية التحتية السياحية وقدرتها على استيعاب الطلب.
أضاف أن تنوع الوجهات، إلى جانب تطور مشاريع الضيافة والنقل، مثل قطار الحرمين، عزز من تجربة السفر الداخلي وسهل التنقل بين المدن، ما أسهم في رفع جاذبية السياحة المحلية خلال الفترة الأخيرة، مؤكدا أن استمرار تطوير المشاريع السياحية الكبرى سيدعم تحقيق مستهدفات القطاع، متوقعا أن تصل مساهمة السياحة في الناتج المحلي إلى 10% بحلول 2030، مع توفير ملايين الوظائف وتعزيز دور القطاع في تنويع الاقتصاد.
مكة والمدينة أبرز الوجهات المحلية
قال شاهر حجازي إن مكة المكرمة والمدينة المنورة تتصدران قائمة الوجهات الأكثر طلبا، تليهما مدن رئيسية مثل الرياض وجدة والمنطقة الشرقية، إضافة إلى وجهات سياحية بارزة مثل أبها والعلا والبحر الأحمر، مضيفا أن الطلب على مكة والمدينة ارتفع بنسب تتجاوز 60% خلال المواسم الدينية، فيما ارتفع الطلب على وجهات مثل العلا والبحر الأحمر والخبر بنحو 50% بعد موسم رمضان.
رغم أن التوترات دفعت إلى إعادة توجيه جزء من الإنفاق السياحي من الخارج إلى الداخل، في ظل تراجع السفر الدولي وإلغاء بعض الرحلات، فإن رخا أشار إلى أن بعض المسافرين اتجهوا إلى وجهات بديلة أكثر استقرارا مثل مصر وتركيا وأوروبا، ما ظهر على ارتفاع أسعار السفر والإقامة فيها خلال فترات الذروة.
تعزز هذه المؤشرات الأداء العام لقطاع السياحة، حيث سجلت السعودية أعلى إنفاق سنوي للزوار الوافدين من الخارج بنحو 159.9 مليار ريال خلال عام 2025، بنمو قدره 4.1% مقارنة بعام 2024، وفق بيانات وزارة السياحة، في حين ظهر هذا الأداء على ميزان المدفوعات، محققا فائضا سنويا في بند السفر يقدر بنحو 49.4 مليار ريال.



