يمكن أن تصل تكلفة النظام المتطور الذي يملكه رافائيل غورجيه من المركبات البحرية المسيّرة المتخصصة في كشف الألغام إلى 500 مليون يورو (580 مليون دولار)، ويستغرق تصنيعه فترة تصل إلى 18 شهراً. ومع اندلاع الحرب حول مضيق هرمز، يتهافت المشترون المحتملون على طلبه.
يقول رافائيل غورجيه ذو الـ54 عاماً، والرئيس التنفيذي لشركة "إكسايل تكنولوجيز" (Exail Technologies SA) ومقرها باريس، في مقابلة: "نتلقى طلبات واستفسارات وتقييمات بشأن القدرات". وأضاف: "الطلب قوي. أعتقد لو كان لدي 12 نظاماً جاهزاً فوراً، لتمكنت من بيعها بسهولة".
وقد أدى الاهتمام المتزايد بمركبات "إكسايل" البحرية المسيّرة إلى ارتفاع أسهم الشركة بأكثر من 700% منذ منتصف عام 2024. وبلغ السهم مستوى قياسياً جديداً الأسبوع الماضي بعد أن هددت إيران بزرع ألغام في مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
وبالنسبة لغورجيه وعائلته، فإن الاهتمام المتجدد بشركات الدفاع رفع صافي ثروتهم إلى نحو مليار دولار، وفقاً لمؤشر بلومبرغ للمليارديرات، وذلك بفضل حصتهم التي تبلغ نحو 41% في "إكسايل". وقد قامت الشركة العائلية القابضة هذا الأسبوع ببيع أسهم بقيمة 75.6 مليون يورو للاستفادة من هذه المكاسب.
تزايد الطلب على الصناعات الدفاعية
يمثل نمو الشركة، الواقعة في مدينة باريس، مثالاً آخر على دور هذا العالم الخطير — الذي يشهد حروباً في أوكرانيا والشرق الأوسط — في إعادة تشكيل قطاع الدفاع في أوروبا. إذ تطلق الدول سلسة من الإنفاق العسكري تنعش معها شركات صغيرة ومتوسطة كانت تعاني ركوداً في وقت سابق، مثل "إكسايل"، وتحولها إلى شركات رابحة في أسواق الأسهم. تنافس "إكسايل" شركات أكبر مثل "تاليس" الفرنسية (Thales SA) و"ساب" السويدية ( Saab AB) و"كونغسبرغ" النرويجية (Kongsberg Gruppen ASA) في مجال المركبات البحرية المسيّرة.
طرحت ثلاث شركات مقاولات دفاعية في المنطقة أسهمها للاكتتاب العام هذه السنة، فيما تستعد الشركة الفرنسية-الألمانية "كندز إن في" (KNDS NV)، المصنّعة للدبابات، لإدراج ضخم في سوق الأسهم خلال الأشهر المقبلة.
قال جان-فرانسوا ديلكير، مدير صندوق في "إتش إم جي فاينانس" (HMG Finance) بباريس: "هناك توجه عالمي واسع نحو إعادة التسلح، وهو الآن ينعكس في أسعار الأسهم التي ارتفعت بشكل كبير". وأضاف: "هذا يعكس آفاقاً قوية، لكن هناك مخاطر تتعلق بتنفيذ عقود الدفاع التي تستغرق وقتاً للإنجاز".
أوروبا ترفع إنفاقها العسكري
وحتى قبل اندلاع حرب إيران، كانت "إكسايل" تستعد لزيادة الإنتاج. فقد بدأت الدول الأوروبية في رفع إنفاقها الدفاعي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، الذي أبرز الحاجة إلى معدات إزالة الألغام في البحر الأسود. كما أن الشكوك المتزايدة بشأن الضمانات الأمنية الأميركية دفعت أوروبا إلى زيادة استثماراتها الدفاعية. وبدأت أسهم "إكسايل" بالارتفاع بقوة بعد حصولها على طلب لمركبات بحرية مسيرة بقيمة 400 مليون يورو العام الماضي من قوات بحرية لم يُكشف عنها.
وفي عام 2019، أصبحت بلجيكا وهولندا أول عملاء لأنظمة "إكسايل" الجديدة للبحث عن الألغام. كما طلبت الإمارات العربية المتحدة، التي تواجه هجمات إيرانية، هذه الأنظمة قبل أكثر من عام، بحسب الرئيس التنفيذي.
وفي نظام، مثل الذي اشترته البحريتان البلجيكية والهولندية والذي قد تصل تكلفته إلى نحو 500 مليون يورو، تقوم سفينة حربية بإطلاق قارب صغير غير مأهول باتجاه حقل ألغام، حيث ينشر مركبات مسيّرة تحت الماء لاكتشاف الألغام وتدميرها. وقد قدّمت البحريتان طلباً مشتركاً يشمل أكثر من 1000 مركبة مسيّرة.
صفقة فارقة في مسيرة "إكسايل"
تحقق نجاح "إكسايل" بعد عقود استثمرت فيها الشركة في مجالات متنوعة مثل روبوتات تصنيع السيارات وأنظمة الحماية من الحرائق والأبواب المقاومة للإشعاع الخاصة بالمواقع النووية. كما أدى دخولها مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد في 2013 إلى فصل هذا النشاط في شركة مستقلة "برودواي غروب" (Prodways Group)، التي تراجعت قيمتها لاحقاً.
ولا تزال العائلة —حيث أسس والد الرئيس التنفيذي، جان-بيير غورجيه، الشركة عام 1988 وأدرجها في البورصة بعد عقد — تواصل تنويع استثماراتها، حيث جمعت إحدى شركاتها هذا الشهر نحو 100 مليون يورو لتطوير مفاعلات نووية صغيرة.
رافائيل غورجيه، الذي انضم إلى شركة العائلة عام 2004، أشرف على واحدة من أكبر صفقات الشركة، وهي الاستحواذ على "آي إكس بلو" (iXblue) — هي شركة متخصصة في تصنيع مركبات بحرية مسيّرة ذات تطبيقات مدنية— مقابل 410 ملايين يورو في عام 2022، ومن ثم دمجها مع المجموعة المالكة للروبوتات البحرية العسكرية. وقد موّلت "إكسايل" هذا الاستحواذ جزئياً عبر تمويل من شركة الاستثمار في الأسهم الخاصة "آي سي جي" (ICG Plc) البريطانية.
وقد أتت هذه الخطوة بثمارها، إذ تضاعفت أرباح المجموعة تقريباً منذ ذلك الحين، مدفوعة أيضاً بالطلب على أجهزة السونار وأنظمة الملاحة المقاومة للتشويش، كما قفز حجم الطلبات المتراكمة لديها. وقفزت القيمة السوقية للشركة من أقل من 500 مليون يورو لسنوات لتتجاوز 2.5 مليار يورو هذا الشهر.
وأوضحت الشركة أن بيع العائلة لجزء من أسهمها هذا الأسبوع كانت "عملية لمرة واحدة" بهدف تنويع محفظتها الاستثمارية، وزيادة عدد الأسهم المتاحة للتداول، وتلبية "الطلب القوي الحالي من المستثمرين في أسواق الأسهم".
ظروف مواتية تدعم نمو "إكسايل"
ورغم تراجع السهم هذا الأسبوع إلى نحو 129 يورو، فإن تقييم الشركة لا يزال مرتفعاً عند نحو 71 ضعف الأرباح المتوقعة، وهو أكثر من ضعف متوسط تقييمها خلال العقد الماضي. وأشار فرانسوي دوسو، رئيس قسم الأسهم في "سيينا جيسشن" (Sienna Gestion)، إلى أن الشركة لا تزال بحاجة إلى تنفيذ وتسليم طلباتها المتراكمة.
وأضاف: "لديهم الخبرة والمعرفة التقنية، لكن لا يمكن استبعاد مخاطر التنفيذ بالنسبة لشركة بهذا الحجم".
يتوقع غورجيه أن دفتر طلبات "إكسايل" سيمتلئ بوتيرة أسرع وبشكل أقوى خلال الأشهر المقبلة وعلى مدى السنوات الخمس إلى العشر القادمة. وفي حين لا تزال الدول تنفق الأموال على معدات تقليدية مثل طائرات رافال المقاتلة التابعة لشركة "داسو أفيشن" (Dassault Aviation) ودبابات ليوبارد من تصنيع "كندز" (KNDS)، فإن طبيعة الحرب تتغير، مع تركيز أكبر على الأسلحة الأصغر حجماً ذاتية التشغيل.
يقول غورجيه: "أصبح العملاء أكثر وعياً، كما أن ميزانيات الدفاع في ارتفاع". وأضاف: "لقد أدركوا أنه بدلاً من امتلاك ست فرقاطات، قد يكون من الأكثر فعالية امتلاك أربع فقط وشراء 200 مركبة مسيّرة، يمكنها تغطية مساحة أكبر بكثير بتكلفة أقل كثيراً، ودون تعريض الأفراد للخطر — ويمكن تسلمها خلال 18 شهراً بدلاً من خمس أو ست سنوات".



