الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأحد, 26 أبريل 2026 | 9 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

الصادرات غير النفطية السعودية .. تحول هيكلي ينقلها إلى قلب الاقتصاد

ماجد الخالدي
ماجد الخالدي من الرياض
السبت 25 أبريل 2026 16:41 |3 دقائق قراءة
الصادرات غير النفطية السعودية .. تحول هيكلي ينقلها إلى قلب الاقتصاد

في مشهد يعكس عمق التحولات التي تشهدها السعودية، تكشف بيانات الصادرات غير النفطية خلال الفترة 2016–2025 عن اقتصاد يعيد تشكيل هويته بثقة واضحة، بعيدا عن الاعتماد التقليدي على صادرات النفط الخام، وسط تنامي القطاعات الإنتاجية والخدمية معا.

تضاعفت الصادرات السلعية غير النفطية لتقفز من 177.7 مليار ريال إلى 363.5 مليار ريال، فيما حققت صادرات الخدمات قفزة استثنائية من 68.2 مليار إلى 260.3 مليار ريال، بنمو إجمالي تجاوز 281%.

أدى تسارع نمو الصادرات غير النفطية إلى ارتفاع حصتها من إجمالي الصادرات إلى مستوى قياسي عند 44% بنهاية العام الماضي.

44%من الصادرات السعودية غير نفطية .. تنويع الاقتصاد مستمر-02 (1)

تعاظم صادرات الخدمات بقيادة "السياحة"

لم تكن صادرات الخدمات قبل عقد من الزمن سوى بند ثانوي في منظومة الصادرات الوطنية، غير أنها باتت اليوم تمثل نحو 42% من إجمالي الصادرات غير النفطية، مقارنة بـ 28% عام 2016.

هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء محصلة لمنظومة إصلاحات متكاملة شملت قطاعات السياحة والترفيه والخدمات اللوجستية والمالية والرعاية الصحية، وهي قطاعات تحولت خلال سنوات قليلة من بنود استهلاكية إلى مصادر تصديرية تستقطب الطلب الإقليمي والدولي.

تصدرت خدمات السفر والسياحة قائمة المحركات، إذ قفزت صادرات السياحة (السياحة الوافدة) خلال الفترة القصيرة الماضية وهي الفترة التي شهدت نموا واسعا لتصل إلى 168.5 مليار ريال بنهاية عام 2024 مقارنة بنحو 14.7 مليار ريال خلال عام 2021، مدفوعة بتضاعف أعداد السياح الوافدين من 3.5 مليون إلى 29.7 مليون زائر.

وفي النصف الأول من 2025 وحده، تجاوز إنفاق السياح الوافدين 90.4 مليار ريال، ما يرجح تسجيل رقم قياسي جديد بنهاية العام.

كذلك على الجانب الآخر، نجد أن خدمات النقل سجلت بدورها نموا موازيا، إذ ارتفعت صادراتها من 11.8 مليار إلى 39.3 مليار ريال بين 2021 و2025، ما يعكس التوسع المتسارع في قطاعي الطيران والخدمات اللوجستية.

الصادرات السلعية استقرار وزخم متصاعد

على الجانب السلعي، نجحت الصادرات غير النفطية في تحقيق زخم نمو متسارع في السنوات الأخيرة، مع حفاظها على معدل نمو سنوي مركب نحو 8.5% خلال الفترة 2016–2025، مدفوعة بتنامي البضائع المعاد تصديرها، إضافة إلى صادرات القطاعات الصناعية والبتروكيماوية والتعدينية التي باتت تصدر بصورة منتظمة إلى أسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وعلى عكس الصادرات النفطية المرتهنة بتقلبات الأسعار العالمية، يتمتع هذا المكون بقدر أكبر من الاستدامة والقدرة على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية.

إتساع حصة البضائع المعاد تصديرها من السعودية بنهاية 2025 -02 (1)

وزن متزايد في الاقتصاد

لعل أبلغ دليل على عمق هذا التحول هو ارتفاع حصة الصادرات غير النفطية من الناتج المحلي الإجمالي من 9.5% عام 2016 إلى 13% بنهاية العام الماضي، إضافة إلى ارتفاع حصتها من الناتج المحلي غير النفطي إلى 22.1% مقارنة بنحو 16.6% عام 2016، في مسار تصاعدي متواصل لم تخل به حتى صدمة جائحة كوفيد.

والأهم من ذلك أن وتيرة نمو هذه الصادرات جاءت أسرع من نمو الاقتصاد الكلي ذاته، ما يعني أن دورها الهيكلي في تمويل الاقتصاد الوطني آخذ في التعاظم عاما بعد عام، ويتحول أكثر بعيدا عن النفط.

أداء اللوجستيات في ظل أزمة "مضيق هرمز"

اختبار هذا التحول لم يكن نظريا، بل جاء عمليا في ظل التوترات الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، حيث واجهت سلاسل الإمداد الإقليمية ضغوطا غير مسبوقة، إلا أن الاستجابة السعودية لم تقتصر على احتواء الأثر، بل تحولت إلى فرصة لتسريع إعادة هيكلة المنظومة اللوجستية.

كشفت المبادرات المتلاحقة عن رؤية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور متداخلة (تعزيز البنية التشغيلية للنقل البري، تفعيل الربط السككي البيني، تطوير ممرات تصديرية بديلة عبر البحر الأحمر).

على صعيد النقل البري، أتاحت الهيئة العامة للنقل "استثنائيا" للمنشآت المرخصة التعاقد لنقل البضائع للغير حتى سبتمبر المقبل، ضمن حزمة إجراءات شملت الإعلان عن جاهزية أكثر من 500 ألف شاحنة، وتمديد العمر التشغيلي للمركبات إلى 22 عاما ولمدة ستة أشهر، والسماح بدخول الشاحنات الخليجية المبردة فارغة إلى السعودية؛ وهو ما يعني رفعا فوريا لطاقة الأسطول دون الحاجة إلى استثمارات رأسمالية طويلة الأمد.

على مستوى السكك الحديدية، أطلقت "سار" خمسة مسارات لوجستية جديدة تربط موانئ الخليج بموانئ البحر الأحمر مرورا بوسط السعودية وشمالها، في منظومة متعددة الوسائط تضم الميناء الجاف في الرياض وساحات الشحن في الدمام والجبيل وحائل وغيرها.

والأهم من ذلك أن هذه المسارات مكنت من إعادة توجيه صادرات الصناعات البتروكيماوية والتعدينية نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر، بعيدا عن عنق الزجاجة الجغرافي في مضيق هرمز.

تجلت هذه الاستراتيجية بجلاء في الخدمة اللوجستية المشتركة بين "سار" و"موانئ" و"البحري" لنقل فوسفات ثنائي الأمونيوم من رأس الخير إلى ينبع بكميات مستهدفة تتجاوز 45 ألف طن خلال ثلاثة أشهر المقبلة، مع إزاحة نحو 4800 رحلة شاحنة عن الطرق.

هذا النموذج يجسد نضج المنظومة اللوجستية السعودية في استيعاب الصدمات الخارجية وتحويلها إلى فرص لترسيخ دور المملكة ممرا لوجستيا يصل بين ثلاث قارات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية