تتبنى "بي إم آي" التابعة لـ"فيتش سوليوشنز"، نظرة إيجابية تجاه العقارات التجارية في السعودية، متوقعة استمرار الطلب على المساحات المكتبية والصناعية بما يدفع الإيجارات إلى الارتفاع في 2026، في وقت لا تزال فيه الرياض تعاني نقصاً هيكلياً في المكاتب عالية الجودة من الفئة "أ"، بينما تستفيد جدة من موقعها كمركز لوجستي رئيسي على البحر الأحمر.
رغم أن التقرير الذي نقلته "الشرق"، صدر قبل اعتماد اللائحة التنفيذية والنطاقات الجغرافية لنظام تملك الأجانب للعقار، فإنه وضع قواعد تملك الأجانب ضمن الفرص التي قد توسع قاعدة المستثمرين والمستأجرين بمرور الوقت، إلى جانب الاستثمار اللوجستي والمشاريع متعددة الاستخدامات.
القصة وفق التقرير، لا تقتصر على قرار تملك الأجانب للعقار، بل تمتد إلى عوامل أوسع تشمل برنامج المقار الإقليمية، ونمو قطاع الخدمات، وزيادة نشاط القطاع الخاص، وتوسع التجارة الإلكترونية، ودفع "رؤية 2030" للقطاعين الصناعي واللوجستي.
مكاتب الرياض في صدارة المشهد
في الرياض، تبدو سوق المكاتب هي المحرك الأبرز للعقار التجاري. وتتوقع "بي إم آي" أن يبلغ متوسط إيجارات المكاتب في العاصمة نحو 34.1 دولار للمتر المربع شهرياً في 2026، على أن تصل الإيجارات الممتازة إلى 47.7 دولار.
لكن الارتفاع المتوقع يأتي بوتيرة أبطأ من العام السابق، إذ ترجح الشركة نمو متوسط إيجارات المكاتب 0.39% في 2026، مقارنةً بقفزة بلغت 9.4% في 2025، نتيجة ارتفاع قاعدة المقارنة بعد سنوات من النمو القوي.
لا يعود ذلك إلى نقص المعروض وحده، بل إلى طبيعة الطلب. فالتقرير يشير إلى أن نمو قطاع الخدمات، وتوسع الشركات الخاصة، وبرنامج المقرات الإقليمية، كلها عوامل تعزز الطلب على المكاتب عالية الجودة.
هنا تكتسب خلفية برنامج المقار الإقليمية أهمية خاصة، فقد قالت وزارة الاستثمار يناير الماضي، إن عدد المقرات الإقليمية للشركات العالمية في السعودية تجاوز 700 مقر، مع أكثر من 6000 مستثمر دولي، وتوقع أن يؤدي وجود هذه الشركات إلى طلب كبير على المساحات المكتبية المميزة والمساكن عالية الجودة ومرافق الترفيه والربط الفعال.
كما توقع تقرير "بي إم آي" نمو القيمة المضافة الحقيقية لقطاع الخدمات بمتوسط 3.2% سنويا حتى 2030، وهو ما يدعم توسع الشركات وحاجتها إلى مساحات مكتبية إضافية.
وتقول الشركة إن الرياض لا تزال تواجه شحاً هيكلياً في المكاتب عالية الجودة من الفئة "أ"، ما يدعم الإيجارات في الطرف الأعلى من السوق.
تدعم بيانات "سي بي آر إي" هذه الصورة، إذ أبقت معدلات إشغال المكاتب من الفئة "أ" في الرياض قرب 98% خلال الربع الأول، مع استحواذ شركات التكنولوجيا وحدها على أكثر من نصف الطلب على المساحات المكتبية.
التجزئة مستقرة لكنها ليست المحرك الأقوى
في قطاع التجزئة، تتوقع الشركة أداءً أكثر هدوءاً في الرياض مقارنة بالمكاتب. فمتوسط إيجارات التجزئة مرشح لبلوغ 53.2 دولار للمتر المربع شهرياً في 2026، بنمو محدود قدره 0.25%.
يرتبط هذا الاستقرار بتحسن الطلب الفعلي على مساحات التجزئة وبقاء معدلات الإشغال مرتفعة، إلى جانب نمو الدخول والإنفاق الاستهلاكي.
لكن التقرير يوضح أن القطاع يمر بتحول في طبيعته، مع زيادة أهمية المراكز التجارية الفاخرة والمشاريع التي تدمج التسوق مع الترفيه والضيافة.
الصناعة مدعومة بالتجارة الإلكترونية
في القطاع الصناعي، تتوقع الشركة أن يبلغ بمتوسط الإيجارات في الرياض 5.48 دولار للمتر المربع شهرياً في 2026، مع إيجارات ممتازة عند 7.44 دولار. ورغم استمرار الاتجاه الصاعد، فإن نمو الإيجارات مرشح للتباطؤ إلى 0.98% في 2026، مقارنة بنمو بلغ 5.44% في 2025.
تربط الشركة هذا الأداء بزيادة الطلب على المستودعات والخدمات اللوجستية، خصوصاً من قطاعات الأغذية والمشروبات والتجارة الإلكترونية، إلى جانب خطط تحويل الرياض إلى مركز اقتصادي واجتماعي وثقافي، بما يدعم الطلب على المساحات الصناعية واللوجستية.
جدة : ضغط في التجزئة وموقع أقوى للصناعة
في جدة يتوقع التقرير أن يبلغ متوسط إيجارات المكاتب 24.1 دولار للمتر المربع شهريا في 2026، مع إيجارات ممتازة عند 32.1 دولار. ورغم أن السوق أقل سخونة من الرياض، ترى الشركة أن جدة ما زالت تملك مجالاً لنمو الطلب على المدى الأطول مع توسع الكيانات الحكومية والخاصة.
تتوقع "بي إم آي" نمو متوسط إيجارات المكاتب في جدة 1.52% خلال 2026، انخفاضاً من 7.2% في 2025، لكنه يبقى مدعوماً بزيادة الطلب ومستويات معتدلة من المعروض.
أما في التجزئة، فتبدو جدة أضعف من الرياض. إذ توقع التقرير انخفاض متوسط إيجارات التجزئة إلى 43.3 دولار للمتر المربع شهرياً في 2026، بتراجع 0.76%، بسبب استمرار تجاوز المعروض للطلب. ومع ذلك، فإن المشاريع عالية الجودة التي تضم عناصر ترفيهية أو تندرج ضمن مشاريع متعددة الاستخدامات، قادرة على الحفاظ على مستويات إشغال أفضل.
في المقابل تبرز جدة في العقارات الصناعية واللوجستية. إذ تتوقع "بي إم آي" أن يبلغ متوسط إيجارات القطاع الصناعي فيها 5.92 دولار للمتر المربع شهريا، متجاوزا الرياض، مع إيجارات ممتازة عند 7.68 دولار. كما ترجح نمو الإيجارات الصناعية 2.30% خلال 2026، مدعومة بموقع المدينة على البحر الأحمر، وبالطلب على المستودعات الحديثة ومراكز التوزيع.
تقول "بي إم آي" إن القطاع الصناعي واللوجستي يبقى جزءا أساسيا من استراتيجية التنويع الاقتصادي في السعودية، متوقعة نمو القيمة المضافة الصناعية الحقيقية بمتوسط 4.5% سنوياً خلال الفترة من 2026 إلى 2030، بما يعزز الطلب على المساحات الصناعية واللوجستية على المدى المتوسط.
تنسجم هذه الرؤية مع تقديرات "نايت فرانك"، إذ أشارت لارا عويدة مديرة الأبحاث في "نايت فرانك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في مقابلة سابقة مع "الشرق" إلى طلب متزايد على العقارات الصناعية واللوجستية في السعودية، مع نسب إشغال بلغت 97% في جدة، مقابل 92% في الرياض و96% في المنطقة الشرقية.
كما تعزز اضطرابات سلاسل الإمداد وأزمة مضيق هرمز أهمية المساحات اللوجستية. وكان خالد المبيض، الرئيس التنفيذي لـ"منصات" العقارية، قد أشار إلى لجوء شركات كبيرة لافتتاح مستودعات مركزية في السعودية للاستفادة من منافذها البحرية والمساحات المتاحة.




