من الصحف الورقية وإعلانات الشوارع، إلى الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، امتدت رحلة الإعلانات في السعودية لـ40 عاما، وفيها شهدت تحولا كبيرا وقلصت تكاليف التسويق أكثر من 60% وبكفاءة أعلى، وفق ما ذكره مختصون لـ"الاقتصادية".
وخلال لقاء قادة التسويق والتواصل في القطاعين العقاري والبلدي في الرياض استعرضت بعض الجهات الحكومية والخاصة تجاربهم الممتدة خلال 50 سنة من البدايات البسيطة وحتى التقنيات الحديثة التي غيرت مفهوم الاتصال ونقلته إلى أفق أوسع.
كيف تغيرت التجربة الإعلانية في 4 عقود؟
يسرد العقاري موسى السعدون رئيس شركة السعدون العقارية تجاربه في التسويق العقاري خلال 4 عقود، بقوله: كانت بداياتنا بسيطة جدا في التسويق العقاري، اعتمدنا في البداية على الإعلانات الجدارية داخل المكتب، وهي عبارة عن صحف تُعلَق على الجدار الداخلي وتحمل عناوين العقارات المراد تسويقها، وقد كانت فعالة إلى حد ما في ذلك الوقت، بعد ذلك كنا نضع لوحات على العقار للبيع أو للتأجير، مع وضع رقم الهاتف عليها، كونها الوسيلة الوحيدة للتواصل مع العملاء، وكان لها دور واضح في جذب المهتمين.
بداية ناجحة مع الصحف الورقية
ويضيف: بعد ذلك انتقلنا إلى الإعلان عبر الصحف الورقية، وكان سعر الإعلان الواحد عن العقار 120 ريالا فقط و كانت هذه الإعلانات فعالة جدا، حيث كنا نضع رقم الهاتف الوحيد لدينا ونستقبل اتصالات كثيفة تفضي غالبا إلى بيع العقار خلال أيام، وذلك تقريبا في 1409هـ (1988) في فترة كان يعاني فيها العقار ركودا، وتطورنا في الإعلان عبر الصحف إلى أن وصلنا إلى الإعلانات في الصفحات الأولى في الصحف.
واسترسل السعدون في تلك الفترة وفيما يخص المزادات العقارية، كنا نستخدم المطويات التي تحمل نوع العقارات وتاريخ ووقت المزاد، ونعمل على توزيعها، إضافة إلى القيام بزيارات ميدانية للمهتمين المحتملين، وكانت هذه الجهود تصاحبها إعلانات الصحف، حيث كانت الصحف في ذلك الوقت الوسيلة الأقوى لتسويق العقارات، إلى جانب العلاقات العامة والتواصل الهاتفي المباشر مع العملاء.
البريد الإلكتروني والرسائل النصية تدخل على الخط مطلع الألفية
وأوضح "مع تطور وسائل الاتصال، بدأنا باستخدام البريد الإلكتروني كوسيلة للتواصل وإرسال المعلومات المتعلقة بالعقارات والمزادات وذلك في العقد الأول من الألفية، ثم اتجهنا بعد ذلك إلى استخدام الرسائل النصية بعد بداية انتشار الجوالات وذلك للوصول السريع إلى العملاء وإبلاغهم بالعروض والمواعيد".
ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة مثل تويتر والإنستجرام والسناب شات والتيك توك والواتساب والفيس بوك، بدأنا بالتحول التدريجي إليها وتقليل الاعتماد على الصحف، وبدأنا بالإعلانات التسويقية عبر السوشال ميديا، التي كانت تعتمد على عدد المتابعين والمشاهدات، إضافة إلى الإعلانات عبر المشاهير، حيث كنا نعلن لدى بعض مشاهير منصة X بأسعار لم تكن تتجاوز 8 آلاف ريال، بل إن بعضهم كان يحضر تغطية المزادات مجانا لجذب المتابعين إلى حسابه.
مشاهير السناب من 5 آلاف ريال إلى 100 ألف
ثم تطور مشاهير السناب شات، وفقا للسعدون، ما دفعهم لرفع أسعار الإعلانات حتى وصلت إلى 100 ألف ريال للتغطية الواحدة، ثم قل توهجهم لاحقا، واتجهوا إلى الإعلان عبر مجموعات السناب شات للإعلان الجماعي في وقت واحد لكي يكون الإعلان أكثر انتشارا .
وفي الفترة الأخيرة، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، يقول السعدون إنه وكثير من العاملين في المجال تحولوا إلى استخدام الأساليب الحديثة والخوارزميات للوصول إلى الفئة المستهدفة بشكل أدق.
انخفاض 60% في تكاليف إنتاج مقاطع الفيديو
بدوره يشير هشام جبره الرئيس التنفيذي للإيراد لشركة TTP للاتصال والتسويق أن الابداع في الاتصال هو حجر الأساس، مشيرا إلى أن في السنوات الأخيرة أصبح هناك تحول رقمي ساعدنا جدا في الوصول للعملاء حيث كنا نصل لهم سابقا من خلال الورق في الصحف اليومية أو الإعلانات في الشوارع ".
وأوضح نحن نتعامل مع جهات كثيرة لذلك ساعدتنا التقنية والذكاء الاصطناعي والخوارزميات في تقليص الوقت بشكل كبير جدا مع كفاءة أعلى للوصول إلى العملاء ومعرفة ماذا يحبون وماهي اتجاهاتهم.
وذكر لـ"الاقتصادية": سابقا كنا ننتج فيديوهات تصل قيمتها إلى 900 ألف ريال أما اليوم ننتج فيديو عن طريق الذكاء الاصطناعي بقيمة 300 ألف وجودة أعلى ، مشيرا إلى أنهم يستخدمون التقنية في 3 مجالات : المحتوى والأفكار التي تناسب السوق المحلية، الصور والإنتاج ، وأخيرا في مجال الأبحاث والدراسات والاستماع للعملاء وتوجهاتهم.
صدى طيب للإعلانات عبر الإذاعة
وعودا إلى السعدون الذي أوضه أنه ما فيما يخص الإعلانات المسموعة والمرئية، فقد كانت شركته من أول من اتجه إلى الإعلان العقاري عبر الإذاعة خلال العقد الأخير، رغم الملاحظات التي كانت تتداول على أن الإعلان الإذاعي غير مجدٍ للعقار، إلا أن إعلاناتنا الإذاعية حققت صدى واسعا قبل نحو 5 سنوات، وأثبتت نجاحها، حتى بدأت بعض الجهات باشتراط الإعلان الإذاعي ضمن متطلبات المزادات".
التكاليف الإعلانية للمزادات تصل لـ 3 ملايين ريال
وسابقا كان متوسط تكاليف الإعلانات الدعائية للمزاد 50 ألف ريال والآن مع تطور الأساليب التسويقية وتعددها فأصبحت تكاليف التسويقية للمزاد تتجاوز 500 ألف ريال إلى أن تصل إلى 3 ملايين وتتخطاها للعقارات الكبيرة والخام.
من جانبه أكد يزيد اليحيا المتحدث الرسمي باسم السجل العقاري أن السجل يتوسع في 9 مناطق حول السعودية حيث أن الجانب الاتصالي والتسويقي مهم جدا في عملية نشر الوعي بالتسجيل من خلال منصة معتمدة للوصول للناس من خلال الحسابات الرسمية والتي أهمها وكالة الأنباء السعودية الرسمية، ومن خلال حسابات التواصل الاجتماعي والمؤثرين فيها للوصول إلى جماهيرهم.
ارتفاع في كفاءة الإنفاق التسويقي وسهولة في قياس العائد
الأكاديمي علي السبيعي المتخصص في الاقتصاد قال إن التحول من التسويق التقليدي إلى التسويق الرقمي يبرز تغيرا هيكليا في آلية عمل الأسواق، مدفوعا بالتقدم التقني وتحول سلوك المستهلك نحو القنوات الرقمية، ومن منظور اقتصادي، أسهم هذا التحول في خفض تكاليف الإعلان وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، إذ تشير البيانات إلى أن الشركات التي تعتمد التسويق الرقمي كقناة رئيسية نجحت في تقليص إنفاقها على الإعلانات التقليدية بنسبة تتراوح بين 30 و50% دون تراجع في المبيعات، ما يظهر ارتفاع كفاءة الإنفاق التسويقي".
وأضاف يمتاز التسويق الرقمي بقدرته على قياس العائد على الاستثمار لحظيا الأمر الذي يعزز القرارات القائمة على البيانات ويحد من العشوائية مقارنة بالقنوات التقليدية، كما أن تكلفة الوصول إلى ألف مستهلك عبر الإعلانات الرقمية تقل نحو 40–60 % عن الإعلانات التلفزيونية أو المطبوعة، بما يسهم في خفض الهدر الإعلاني وتكاليف البحث والمعلومات.
يشير الدكتور السبيعي إلى أنه برز التسويق عبر المؤثرين كقناة عالية الكفاءة، حيث يحقق في المتوسط عائدا يتراوح بين 5 و6 أضعاف ما يُنفق عليه، مدفوعا بدوره في بناء الثقة والتأثير في قرارات الطلب.
أضاف: لا يقتصر أثر التسويق الرقمي في السلع الاستهلاكية، بل يمتد إلى المشاريع الكبرى، حيث تعتمد غالبية المشاريع المليارية على حملات رقمية قبل الإطلاق لبناء الطلب المسبق وتعزيز السمعة وجذب المستثمرين، بما يجعل التسويق الرقمي أداة إستراتيجية لتقليل المخاطر ودعم الجدوى والاستدامة الاقتصادية.




