لسنوات، استفادت وول ستريت من واحدة من أكثر القوى موثوقية في الأسواق الحديثة: جيش من المتداولين الأفراد المستعدين لشراء أي شيء تقريباً.
إلا أن يوم الجمعة كشف ما قد يحدث عندما تتعرض عدة رهانات مضاربية للضغط في آن واحد. فقد تكبدت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي أشد موجة بيع منذ أشهر، وهبط سعر "بيتكوين" إلى ما دون 60 ألف دولار، فيما قفزت عوائد السندات مع تجدد رهانات المتداولين على أن الخطوة التالية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي قد تكون رفع أسعار الفائدة.
هذا يجعل وصول شركة "سبيس إكس" (SpaceX)، وما قد يصبح أكبر اكتتاب عام أولي في التاريخ، اختباراً واضحاً حتى الآن لاتجاهات رأس المال المضارب في المرحلة المقبلة.
لم تكن الفرص المتنافسة على هذه السيولة بهذا الاتساع من قبل. بدأت الموجة بالعملات المشفرة، ثم امتدت إلى أسهم الميم، وخيارات اليوم صفر، وصناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية، ووكلاء الذكاء الاصطناعي، وأسواق التوقعات، في منظومة باتت لكل أداة فيها بنية تحتية أكثر تطوراً.
وسط هذا المشهد، تبرز "سبيس إكس"، التابعة لإيلون ماسك، بوصفها الجائزة الأكبر. ويبدو الطلب هائلاً على أسهم الشركة المتخصصة في الصواريخ والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي. غير أن طرحها المرتقب تعقد بفعل اضطراب واضح هذا الأسبوع في بعض الصفقات المضاربية المفضلة لدى السوق، ما أثار تساؤلات جديدة حول شهية المستثمرين الأفراد للمخاطر، والوجهة التي يختارون توظيف أموالهم فيها.
أفاد أليكس موريس من "إف/إم إنفستمنتس" (F/m Investments): "يبدو الأمر كأنه اهتزاز في قطاع التكنولوجيا، وتذكير إضافي بأن الأصول المضاربية مثل بيتكوين وسبيس إكس قد تفقد زخمها سريعاً وتتراجع قيمتها. فشركة سبيس إكس، رغم أن صواريخها وخدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية لديها حقيقيتان، بل رائعتان حقاً، ليست بمنأى عن ذلك".
كان اكتتاب عام أولي قياسي كفيلاً بالهيمنة على مشهد الاستثمار في أسهم النمو. لكن "سبيس إكس" تدخل اليوم سوقاً مزدحمة بخيارات استثمارية متنافسة، في ظل تراجع مستمر لحواجز الدخول أمام المستثمرين الأفراد، بعد فترة من المضاربات المفرطة.
اقرأ أيضا: تقييم 10 شركات عالمية لصناعة أشباه الموصلات تمهيدا لتسجيلها رسميا في السعودية
ويبقى السؤال: إلى متى سيظل المستثمرون مفتونين بهذا الاستثمار الجديد، بينما تبدو السوق قريبة من نقطة تحول؟
أشار ستيف سوسنيك، كبير الاستراتيجيين لدى "إنتراكتيف بروكرز" (Interactive Brokers)، إلى أن هبوط الجمعة "يمثل تذكيراً بأن التحركات الصاروخية غير مستقرة بطبيعتها، وتنتهي على نحو يصعب التنبؤ به، خصوصاً عندما تتصرف مجموعات كبيرة من المستثمرين كما لو أن المخاطرة تساوي العائد، لا باعتبارها جزءاً من معادلة متوازنة بين المخاطرة والعائد".
وقد يكتشف المستثمرون الأفراد حدود قدرتهم على تحمل المخاطر إذا تفاقمت موجة البيع هذا الأسبوع. ففي سوق العملات المشفرة، ظهر ذلك بوضوح، بعدما تخلت "بيتكوين" عن جميع مكاسبها منذ إعادة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
قالت مينا كريشنان، مديرة محافظ الأصول المتعددة لدى "شرودرز" (Schroders): "بعد تسعة أسابيع متتالية من المكاسب، وتمركز المستثمرين قرب أقصى مستويات الانكشاف، كانت عوامل البيع مهيأة، لكن السوق كانت تفتقر إلى الشرارة.. حتى اليوم".
"سبيس إكس" تدخل سوقاً استثمارية مزدحمة
شهدت السوق الصاعدة الممتدة عدة انتكاسات، لكنها كانت تعود سريعاً إلى تسجيل قمم جديدة. وإذا انتعشت السوق الأسبوع المقبل، فسيأتي ذلك منسجماً مع هذا النمط، بما يُبقي "سبيس إكس" على مسار دخول ساحة استثمارية مزدحمة.
أما بالنسبة لأسهم شركات التكنولوجيا عالية التحليق، فقد سجل مؤشر "ناسداك 100" هبوطاً بنسبة 5% يوم الجمعة، في أسوأ أداء له منذ أكثر من عام. وجاء التراجع بعدما بدت هذه الأسهم مهيأة لتصحيح عقب صعود استمر أشهراً إلى مستويات قياسية. وكان تقرير الوظائف الأميركي، الذي فاق التوقعات، الشرارة التي أطلقت موجة البيع، إذ عزز رهانات المستثمرين على رفع أسعار الفائدة.
اقرأ المزيد: هل استولت أمريكا على عملات بيتكوين صينية بـ15 مليار دولار؟ وما علاقة إيران؟
قال دان سوزوكي، استراتيجي الاستثمار العالمي لدى "آي كابيتال" (iCapital): "هذا يخلق ديناميكية معقدة للاكتتاب العام الأولي المرتقب لسبيس إكس، وهناك بالتأكيد قلق متزايد من تراكم المعروض القادم إلى السوق". وأضاف: "لكن المفاجأة قد تكون أن يدعم الاكتتاب العام الأولي السوق في النهاية، عبر ضخ قدر جديد من الحماس لدى المستثمرين الأفراد، يتجاوز موضوع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الذي هيمن على موجة الصعود الأخيرة".
تحتدم المنافسة بالفعل على جذب انتباه المستثمرين الأفراد. فقد أُطلق أكثر من 600 صندوق متداول في البورصة الأميركية خلال الأشهر الستة الماضية وحدها، وفق بيانات جمعتها "بلومبرغ إنتليجنس"، في وتيرة قياسية تمثل أكثر من عُشر منتجات القطاع البالغ عددها نحو 5200 منتج.
قُدّم هذا العام وحده أكثر من 20 صندوقاً متداولاً مرتبطاً بشركة "سبيس إكس"، تتراوح بين استراتيجيات الرافعة المالية والاستراتيجيات العكسية والمنتجات القائمة على الخيارات. وحتى الشركات التي لم تُطرح أسهمها بعد، مثل "أنثروبيك" (Anthropic) و"أوبن إيه آي" (OpenAI)، لديها بالفعل صناديق متداولة محتملة قد تُخصص لتتبعها. وعندما تصل اكتتاباتها العامة الضخمة، ستضيف عامل جذب آخر للمستثمرين.
فقاعة الذكاء الاصطناعي.. كيف سيبدو الانهيار إذا تبخرت التوقعات؟
اكتتابات كبرى تتنافس على السيولة
قال ديفيد كاس، أستاذ المالية في كلية إدارة الأعمال بجامعة ميريلاند: "مع اقتراب الاكتتابات العامة الأولية لشركتي أنثروبيك وأوبن إيه آي، المتوقع حدوثها لاحقاً هذا العام، سينقل المستثمرون رؤوس أموالهم من شركة إلى أخرى. فمن النادر للغاية حدوث اكتتابات بهذا الحجم خلال أشهر قليلة، وستتنافس على القدر نفسه من رأس المال".
أظهر تحليل أجرته "جيه بي مورغان تشيس آند كو" (JPMorgan Chase & Co) للاكتتابات الأخيرة أن المستثمرين الأفراد لاحقوا زخم اليوم الأول في نحو 86% من الحالات، بينما غالباً ما ازداد نشاط الشراء في الأسابيع التالية إذا واصلت الأسهم الصعود. وبعبارة أخرى، قد لا يكون التحدي في جذب انتباه المستثمرين الأفراد، بل في الحفاظ عليه.
ومن خلال تخصيص ما يصل إلى 30% من الصفقة للمستثمرين الأفراد، يستهدف إيلون ماسك قاعدة جماهيره، وهي شريحة تضخم حضورها في سوق الأسهم خلال عصر العمولات الصفرية. وعادةً ما تخصص الشركات نسبة محدودة لبرامج الأسهم الموجهة أو المستثمرين الأفراد بنحو 5%، وفق تقديرات مجموعة "جيفريز فايننشال" (Jefferies Financial).
وقد لا يأتي المعروض المحتمل، البالغ 22.5 مليار دولار والمخصص للمستثمرين الأفراد، في توقيت مناسب لفئة تتقلص لديها السيولة المتاحة. ففي "تشارلز شواب" (Charles Schwab)، إحدى أبرز شركات الوساطة للأفراد، تراجعت الحيازات النقدية كنسبة من أصول العملاء إلى أدنى مستوى منذ عام 2019 على الأقل.
اكتتاب "سبيس إكس" يختبر سيولة الأفراد
استناداً إلى تقديرات "بلومبرغ إنتليجنس"، تُشكل حسابات المستثمرين الأفراد خُمس إجمالي حجم التداول، أي ضعف حصتها قبل 15 عاماً. وفي المقابل، ذكرت "جيفريز" في مذكرة استندت إلى بيانات "بلومبرغ" أن الحصة السوقية المجمعة لصناديق الشراء طويل الأجل وصناديق التحوط انخفضت إلى 15%، مقارنةً بـ23% في عام 2010.
ومع تراجع السيولة النقدية لدى شركات الوساطة إلى مستويات تاريخية، يُرجح أن يأتي شراء أسهم "سبيس إكس" على حساب مراكز استثمارية قائمة. ومن بين الأسهم الأكثر عرضة للخطر، تبرز "تسلا"، وهي الشركة المدرجة الأخرى التابعة لإيلون ماسك. فمع اتساع إمبراطوريته التجارية، ومواصلة وول ستريت بناء منظومة منتجات معقدة حوله لاستقطاب أتباعه المخلصين، يصبح خطر الرهانات المركزة واقعاً يتعين على المستثمرين مواجهته.
قد يهمك: إنفيديا تتجاوز فيسبوك وولمارت وتدخل قائمة أكبر 5 علامات تجارية عالميا
في هذا السياق، أوضح مير ستاتمان، أستاذ المالية في جامعة سانتا كلارا ومؤلف كتاب "ثروة الرفاهية" (A Wealth of Well-Being)، أن "إيلون ماسك يسعى إلى جعل سهم سبيس إكس سهماً من أسهم الميم. ويرجح أن ينجح في ذلك. وكما أؤكد لطلابي، فإن سهم شركة جيدة ليس بالضرورة سهماً جيداً. فالتقييم عامل حاسم".
ربما تتوسع خيارات الاستثمار أكثر. فالتغييرات التي أقرتها الجهات التنظيمية ستلغي في النهاية الشرط طويل الأمد الذي يُلزم متداولي الهامش النشطين بالاحتفاظ بما لا يقل عن 25 ألف دولار في حساباتهم، ما يخفض حواجز التداول المتكرر. وبالتزامن مع نمو أسواق التوقعات والعقود الآجلة الدائمة ومنصات الوساطة الرقمية، تتشكل سوق يستطيع فيها رأس المال الانتقال بين الروايات الاستثمارية بسرعة غير مسبوقة.
قال كاس من جامعة ميريلاند: "كثير من المستثمرين الأفراد لديهم أفق زمني قصير. فهم يميلون أكثر إلى التساؤل: كيف سيكون أدائي هذا الأسبوع أو هذا الشهر؟ مقارنةً بمستثمري القيمة الذين يتبعون استراتيجية الشراء والاحتفاظ". ومع التدفق المستمر للعناوين الإخبارية وانتشار التداول دون عمولات، "فإن ذلك يشجع حركة رأس المال".

