تشير توقعات "بلومبرغ انتليجنس" لقطاع المعادن في عام 2026 إلى أن الطلب على الملاذات الآمنة، وآليات العرض، والمخاوف بشأن أمن الموارد ستشكّل العوامل الرئيسية المحرّكة للأسواق.
ترجح التقديرات أن يتفوق
الذهب مجدداً على مؤشر "إس آند بي 500"، في حين لا تزال السوق تقلل من شأن
الفضة، بينما يُنتظر أن يدفع النقص المستمر في المعروض أسعار النحاس فوق 12 ألف دولار للطن.
أما النيكل، فيُتوقع أن يتراجع سعر الطن إلى 15 ألف دولار بفعل تخمة المعروض، ويُفترض أن تحدّ تخفيضات إنتاج أكسيد الألمنيوم من الهبوط بنسبة لا تتجاوز 10%. وفي ظل تزايد التركيز على أمن سلاسل التوريد، قد يتجاوز التمويل الحكومي المخصّص لمشاريع المعادن الأرضية النادرة 10 مليارات دولار العام الجاري.
فيما يلي جدول يلخص أبرز توقعات "بلومبرغ إنتليجنس" لقطاع التعدين وسوق المعادن في 2026:
أكسيد الألمنيوم يتلقى دعما
يُرجّح أن تنخفض أسعار أكسيد الألمنيوم في 2026 بفعل الفائض المتزايد في الصين، لكن قد لا يتجاوز التراجع 10%، مقارنةً بهبوط نسبته 53% في عام 2025، نظراً لملامسة الأسعار تكاليف الإنتاج، إذ تعمل نحو نصف المصافي المحلية بتكاليف تفوق متوسط السعر الشهري، وحتى هوامش الربحية لدى المنتجين منخفضي التكلفة تراجعت إلى خانة الأرقام الفردية.
أيضاً، قد يدفع هذا الوضع المنتجين الأعلى كلفة إلى تقليص الإنتاج أو إيقاف بعض الطاقات بالكامل، ما يضع حداً أدنى طبيعياً للأسعار ويكبح احتمالات تسجيل تراجعات أكثر حدة.
تُقدر "بلومبرغ إنتليجنس" أن يظل نمو الطلب على أكسيد الألمنيوم في الصين محدوداً عند 0.5% فقط، نتيجة القيود المفروضة على الطاقة الإنتاجية للألمنيوم في البلاد، في وقت يُتوقع أن يرتفع المعروض بنسبة 2.8%. كما تُفاقم الواردات المتزايدة، لاسيما من التوسّع السريع في إندونيسيا، اختلال التوازن في السوق.
العرض والطلب على الألمونيا
صعود متوقع للنيكل في 2026
تعتبر "بلومبرغ إنتليجنس" أن التفاؤل المحيط بالحصة المقترحة لإنتاج خام النيكل في إندونيسيا لعام 2026 مبالغ فيه، مرجّحةً أن تعاود أسعار بورصة لندن للمعادن الهبوط إلى مستوى 15 ألف دولار للطن بحلول نهاية العام.
وتشير إلى أن النطاق الإنتاجي المقترح بين 250 و260 مليون طن يتماشى إلى حد كبير مع التقديرات لإنتاج عام 2025، ولا يُشكّل خفضاً فعلياً مقارنةً بحصة 2025 البالغة 379 مليون طن، والتي كانت تستند إلى الطاقة الإنتاجية المعتمدة لا إلى سقف مُلزم.
ومن دون تطبيق أكثر صرامة يجبر الإنتاج على الهبوط إلى ما دون المستويات المسجلة مؤخراً، فإن هذا التغيير في السياسة يبقى في معظمه شكلياً، خصوصاً في ظل بلوغ المخزونات أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات.
نقص مستمر في معروض النحاس
لا يزال ميزان العرض والطلب في سوق النحاس ضيقاً بما يكفي لدعم ارتفاع يتجاوز 20% في متوسط أسعار 2026. ويُتوقع أن يؤدي هذا المستوى المرتفع للأسعار إلى تسريع وتيرة الاستبدال، واستقطاب كميات أكبر من الخردة إلى سلاسل التوريد.
مع ذلك، يُرتقب أن يظل المعروض من المناجم متأخراً للسنة الرابعة على التوالي، في ظل تباطؤ نمو الطلب على النحاس المكرر إلى نحو 2%.
وبعد سلسلة من الحوادث في عدد من أكبر مواقع التعدين في العالم، يُرجّح أن يكون التعافي في عام 2026 بطيئاً، مع نمو في الإنتاج لا يتجاوز 0.5% إلى 1%K وهو ما يقل عن تقديراتنا لنمو الطلب التي تتراوح بين 2% و2.5%، ما يُسفر عن عجز يُقدّر بين 250 ألف و300 ألف طن، الأمر الذي من شأنه أن يدعم استمرار ارتفاع الأسعار.
تبقى التقلبات مصدر خطر في حال انعكست التدفقات المتجهة إلى الولايات المتحدة مع تضاؤل الفروقات السعرية بين السوق الأميركية والأسواق الأخرى، ما قد يخفف من شح المعروض بالسوق خارج أمريكا.
استمرار اختلال العرض والطلب في النحاس
تصحيح ثم صعود للفضة
رجحت "بلومبرغ إيكونوميكس" مواصلة تتبع الفضة للذهب خلال عام 2026، حتى مع بلوغ الأسعار الحد الأعلى لموجة الصعود الأخيرة. وتشير إلى حالة من التماسك في الأسعار عند 83.30 دولار للأونصة بعد الارتفاع الحاد، بدلاً من التحرك نحو مستويات مستدامة عند 100 دولار.
ومن المتوقع أن تبقى الأسعار أعلى بكثير من التقديرات الجماعية البالغة 56.65 دولار.
رغم ذلك، تبقى مخاطر تقييم الفضة قائمة، إذ إن إعادة تسعيرها مقارنةً بالذهب تبدو غير مبرّرة بالكامل بالعوامل الأساسية، ونرى أن هذا قد يشكّل تصحيحاً، وليس تراجعاً هيكلياً، في ظل استمرار الطلب الصناعي الداعم من التحول الكهربائي والطاقة الشمسية.
ويُتوقع أن يظل الذهب ركيزة أساسية لدعم الفضة، مدفوعاً بمشتريات البنوك المركزية، والمخاطر الجيوسياسية، ودور السبائك كوسيلة تحوط للمحافظ الاستثمارية، ما يُحدّ من عمق أي تصحيح في الأسعار.
حتى مع استقرار الأسعار، يُتوقع أن تبقى نسبة سعر الذهب إلى الفضة عند نحو 60 (أي أن أونصة واحدة من الذهب تعادل 60 أونصة من الفضة) خلال العام الجاري، في تراجع ملحوظ مقارنة بمتوسط عام 2025 البالغ نحو 87، ما يشير إلى أداء أقوى نسبياً للفضة مقابل الذهب.
الذهب يتفوق مجدداً على الأسهم في 2026
قد يحمل الأداء الضعيف لسوق الأسهم الأميركية، الذي كان أقل من أداء الذهب من عام 1997 وحتى نهاية 2025، دلالات مماثلة لعام 2026، إذ ترى "بلومبرغ إنتليجنس" أن المعادن ستواصل تفوقها على الأسهم خلال عام 2026، ولكن قد يرجع ذلك إلى هبوط عام في أداء السوق يقابله صعود الذهب.
كما أن استحواذ هذا المخزن العريق للقيمة على العوائد الاستثنائية (Alpha)، كما حدث في عام 2025، قد يكون مؤشراً على أمرٍ ما يلوح في الأفق.
وتُظهر البيانات أن سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات هي المرشحة الأولى للتراجع في 2026، خصوصاً إذا استمر إجمالي العائد على مؤشر "إس آند بي 500" في الهبوط مقارنة بالذهب.
لم يسبق للذهب أن صعد بهذه السرعة في وقتٍ ظلت فيه تقلبات سوق الأسهم منخفضة، وتبلغ نسبة تقلب مؤشر "إس أند بي 500" لمدة 180 يوماً 11.5%، وقد ترتد نحو متوسطها لـ10 سنوات والبالغ 17%، وهو ما قد يضغط على كافة أصول المخاطر.
ويُعدُّ تقييم الذهب عند حوالي 4600 دولار للأونصة (في 16 يناير) مبالغاً فيه بالفعل، لكنه مرشح للوصول إلى 5 آلاف دولار في عام 2026. وقد يمثل صمود الأسهم العقبة الكبرى أمام صعود الذهب.
لا تراجع عن رسوم الصلب
يقلل تحسّن العلاقات التجارية بين كندا والصين، إلى جانب تجدّد التوترات بين الولايات المتحدة وكندا، من احتمالات تقديم تنازلات ضمن إطار اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا "USMCA"، ما يجعل تراجع ترمب عن رسوم الصلب المفروضة بموجب المادة 232 بنسبة 50% أمراً غير مرجّح.
تبرز خطوة كندا نحو تخفيف الحواجز التجارية مع الصين تحولاً استراتيجياً بعيداً عن الاعتماد على الولايات المتحدة. وبعد بثّ إعلان تجاري كندي مناهض للرسوم، انسحب الرئيس ترمب من المفاوضات، ما عزّز ترسيخ هذه الرسوم كأداة سياسية دائمة مرتبطة بالأمن الأميركي.
تحتاج مصانع الصلب الأميركية إلى بقاء رسوم المادة 232 عند مستوى 50% لحماية السوق من الواردات منخفضة التكلفة، والحفاظ على قدرتها التسعيرية محلياً لدعم هوامش الربحية والاستثمار الرأسمالي.
وسجّلت شركات "يو إس ستيل" (US Steel)، و"نوكور" (Nucor)، و"ستيل دايناميكس" (Steel Dynamics) نمواً قوياً في الشحنات وزيادة في معدلات التشغيل خلال النصف الثاني من عام 2025، بينما اكتسب منتجو حديد التسليح واللفائف المدرفلة قدرة أكبر على التسعير مع تراجع الواردات إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.
أسعار اللفائف المدرفلة على الساخن في أميركا مقارنة بأوروبا، وإيطاليا، وفيتنام
10 مليارات دولار للعناصر الأرضية النادرة
قد يتجاوز التمويل الحكومي المخصص لمشاريع العناصر الأرضية النادرة 10 مليارات دولار في عام 2026، وفقاً لحسابات "بلومبرغ إنتليجنس"، في ظل استمرار تركيز الحكومات على أمن سلاسل التوريد وتقليل حصة الصين في السوق.
تسيطر الصين على 75% من طاقة التكرير التشغيلية، بما يشمل فصل المواد المغناطيسية عالية القيمة، ويُرجّح أنها استحوذت على أكثر من 90% من الإمدادات في عام 2025. وتعمل مشاريع نشطة في مناطق أخرى، مثل مشروع "تانبريز" (Tanbreez) في غرينلاند، على كسر شبه الاحتكار الصيني، مع توقعات بأن يُسرّع التمويل من وتيرة التنفيذ.
العنصر الحاسم في تسريع تطوير مشاريع العناصر الأرضية النادرة يتمثل في التمويل الحكومي، حيث تستهدف الولايات المتحدة وأستراليا ضخ ما لا يقل عن ملياري دولار خلال النصف الأول من العام في مشاريع بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وفي المقابل، تعهّدت أوروبا بإنفاق 3.5 مليارات دولار على المواد الحيوية، بينما من المرجّح أن تواصل اليابان تعزيز تحرّكاتها في هذا المجال، خاصة بعد تصاعد التوترات التجارية مع الصين في يناير.
القدرة الإنتاجية لأكاسيد العناصر الأرضية الناردة