بحلول 2030، قد يتخيل كثيرون أن تصل وجبتهم من مطعمهم المفضل عبر"درون" خلال دقائق، متجاوزة ازدحام شوارع الرياض، في مشهد يرتبط في الأذهان بمستقبل الخدمات اللوجستية في السعودية. لكن أشرف الليلي، الرئيس التنفيذي لمجموعة "فلو برو جريسيف لوجستيكس" التابعة لمجموعة "السليمان"، يرى السيناريو المحتمل مغايرا.
الليلي، الذي صاحب خبرة تتجاوز 25 عاماً في قطاع اللوجستيات وسلاسل الإمداد عبر أكثر من 60 دولة، أوضح لـ "الاقتصادية" أن السيناريو المحتمل والأكثر واقعية لقيادة انتشار هذه التقنية في السعودية خلال السنوات المقبلة هو التطبيقات الأولى والأوسع للطائرات المسيّرة، والتي تبدأ من حلول جرد المستودعات، قبل وصولها إلى أبواب المستهلك.
بحسب ما يرى الليلي، وهو عضو في مجلس اللوجستيات وسلاسل الإمداد في غرفة جدة ومجلس النقل البري السعودي، فإن القيمة الحقيقية لهذه التقنية لا تكمن في الطائرات نفسها، بل في التكامل بين الأنظمة والعمليات والبيانات.
على هامش المعرض السعودي للخدمات اللوجستية الذكية، الذي أقيم في الرياض من 21 إلى 24 يونيو الجاري، قال الخبير اللوجستي: "إن طائرة مسيّرة لا تتحدث مع نظام إدارة المستودع ليست تحولاً، بل تكلفة إضافية. الزخم المحيط بالطائرات المسيّرة يسبق في كثير من الأحيان جاهزية النماذج التشغيلية القادرة على الاستفادة منها".
الموجة الأولى بين عامي 2027 و2029
توقّع الليلي أن تبدأ السعودية مشاهدة أول موجة من التطبيقات التجارية الواسعة للطائرات المسيّرة بين عامي 2027 و2029 إذا استمرت البيئة التنظيمية بالوتيرة الحالية.
أرجع الليلي توقيت انتشار التقنية إلى 3 عوامل رئيسية، تشمل تطور تنظيم المجال الجوي المنخفض، وانخفاض تكاليف التشغيل، ورفع مستوى التكامل الرقمي داخل الشركات اللوجستية.

وأكد أن السعودية تمتلك 3 عوامل نادرة الاجتماع في سوق واحد: الشهية التنظيمية للابتكار، والطموح الاستثماري عبر رؤية 2030، والبنية التحتية التي تُبنى من الصفر بمعايير القرن الحادي والعشرين، مشيرا إلى أن هذا التزامن لا يتكرر كثيراً في التاريخ الاقتصادي لأي دولة.
قدر الليلي حجم سوق التطبيقات اللوجستية للطائرات المسيّرة بين 200 و400 مليون دولار خلال السنوات الخمس المقبلة في السعودية، واصفاً ذلك بأنه تقدير محافظ.
يأتي ذلك في وقت يبلغ فيه حجم السوق اللوجستي السعودي نحو 55 مليار دولار في 2025، مع توقعات بتجاوزه 83 مليار دولار بحلول 2034.
الميل الأخير الفرصة الأكبر أمام الدرون
بحسب الليلي، فإن التوصيل في المرحلة الأخيرة يمثل 40-50% من إجمالي تكاليف التوصيل، ما يجعله الفرصة الأكبر أمام الطائرات المسيّرة.
وقال إن التجارب العالمية تشير إلى إمكانية خفض تكاليف التوصيل الحضري للطرود الخفيفة بنسبة 40-60%، لكنه أكد أن هذه الوفورات تعتمد على طبيعة الاستخدام والبيئة التشغيلية، مرجحاً أن يكون التكامل بين الطائرات المسيّرة ووسائل التوصيل التقليدية أكثر فاعلية من استبدالها بالكامل
أبرز التطبيقات الحالية للطائرات المسيّرة، التوصيل الطبي والصيدلاني، وهو الأكثر نضجاً على المستوى العالمي والأسرع في الحصول على الموافقات التنظيمية، نظراً لارتباطه بحالات الاستعجال والحاجة إلى سرعة إيصال الأدوية والعينات الطبية.
هذا الاستخدام يكتسب أهمية خاصة في السعودية، بحسب الليلي، بسبب مساحتها الشاسعة ووجود مناطق نائية، ولا يقتصر أثره على خفض التكاليف بل قد يمتد إلى إنقاذ الأرواح.
جرد المستودعات الأكثر جدوى اقتصاديا
يؤكد الليلي أن استخدام الطائرات المسيّرة في جرد المستودعات يعد من أكثر التطبيقات جدوى من الناحية الاقتصادية، إذ يُمكن أن يحول عمليّات الجرد التقليدية من أسابيع إلى ساعات فقط، ما يجعل العائد على الاستثمار فورياً وقابلا للقياس، وبالتالي من أسرع التطبيقات المتوقع انتشارها بين الشركات اللوجستية.
مراقبة البنية التحتية، بما يشمل الموانئ والطرق السريعة وخطوط الطاقة ومنشآت النفط والغاز، تعد بحسب الليلي من التطبيقات المتقدمة التي تشهد انتشاراً فعلياً في السعودية، مدعومة بشراكات إستراتيجية مع عدد من الشركات الوطنية الكبرى.

التوصيل السريع للطرود الخفيفة داخل المدن يمثل كذلك أحد المجالات الواعدة، خاصة في المدن التي تواجه تحديات مرورية يومية مثل الرياض وجدة.
يرجّح الليلي أن يكون جرد المستودعات أول التطبيقات التي ستشهد انتشاراً واسعاً في السعودية خلال السنوات الخمس المقبلة، نظراً لوضوح العائد الاقتصادي وسرعة تحقيق النتائج، يليه التوصيل الطبي، ثم خدمات التوصيل النهائي للطرود مع تطور الأطر التنظيمية الخاصة بالمجال الجوي المنخفض.
تشير بعض الدراسات إلى أن منظومة الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد الأوسع قد تقترب من 200 مليار دولار بحلول 2030 حين تُحتسب البنية التحتية والمشاريع الكبرى.
هذا الحجم يُشكّل البيئة الخصبة لأي تقنية لوجستية ناشئة.

