تفرض التوترات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط والخليج على وجه الخصوص على المصارف العربية إعادة صياغة استراتيجياتها الاستثمارية وإدارة المخاطر بشكل أكثر مرونة في ظل توجه المستثمرين الدوليين في أوقات الأزمات إلى الملاذات الآمنة، بحسب ما ذكره لـ"الاقتصادية" وسام وفتوح أمين عام اتحاد المصارف العربية.
وأوضح فتوح أنه مع استمرار تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وتأثيراتها المتسارعة في الاقتصاد العالمي، يبرز دور المصارف العربية في إدارة المخاطر المالية وتعزيز قدرتها على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية التي تفرضها الظروف الراهنة.
وأشار إلى أن المصارف مطالبة بتعزيز الاستثمار في القطاعات الأقل تأثرا بارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب دعم مرونة سلاسل الخدمات اللوجستية التي أصبحت أحد العناصر الحاسمة في استقرار الاقتصاد العالمي خلال الأزمات.
استراتيجيات تحوط للمصارف العربية
وبحسب فتوح، يتعين على المصارف العربية تبني سياسات مالية واستثمارية قادرة على امتصاص الصدمات، من خلال تنويع المحافظ الاستثمارية والتوسع في الأصول البديلة، بما في ذلك العملات الرقمية مثل البيتكوين التي يزداد حضورها في الأسواق بوصفها "ذهبا رقميا" في أوقات عدم الاستقرار.
ويقدر عدد المصارف العربية نحو 520 مصرفا، ويبلغ اجمالي موجوداتها أكثر من 5.5 تريليون دولار.
وشدد أمين عام اتحاد المصارف العربية على أهمية موازنة المحافظ الاستثمارية بسلع استراتيجية مثل النفط والذهب، إلى جانب إدارة مخاطر العملات عبر تنويع مصادر الاستثمار، وإعادة توجيه التمويل نحو القطاعات القادرة على الصمود أمام التضخم واضطرابات سلاسل الإمداد.
تحولات في حركة الأصول العالمية
وأوضح فتوح أن التطورات الأخيرة في الأسواق العالمية تظهر كيف تدفع الحروب المستثمرين إلى إعادة توزيع استثماراتهم بين الأصول المختلفة. وأشار إلى أن الأسواق شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الذهب مع تزايد الإقبال عليه كملاذ آمن، بينما تحركت العملات الرقمية صعوداً مع تدفقات استثمارية جديدة.
كما ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة مع المخاوف من اضطرابات الإمدادات العالمية، خاصة في حال تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وهو ما يعزز الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.
اضطرابات سلاسل الإمداد
وأضاف فتوح أن تأثير الحروب لا يقتصر على الأسواق المالية فحسب، إنما يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية. فالتوترات في الشرق الأوسط تؤثر في مسارات الشحن البحري والجوي، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل وإطالة فترات التسليم وتعطيل تدفق السلع الأساسية مثل الغذاء والأدوية والإلكترونيات.
هذه الاضطرابات تفرض على الشركات العالمية إعادة تقييم استراتيجيات التوريد والخدمات اللوجستية، بينما تتحمل قطاعات النقل والتأمين والتجارة الدولية تكاليف إضافية نتيجة ارتفاع المخاطر التشغيلية.
انعكاسات على ميزان القوى الاقتصادية
ويرى فتوح أن الحروب تسهم أيضاً في إعادة تشكيل ميزان القوى الاقتصادية في العالم، حيث تستفيد الدول المصدرة للطاقة من ارتفاع الأسعار، في حين تواجه الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد ضغوطاً تضخمية متزايدة.
وفي هذا السياق، قد تستفيد بعض القوى الاقتصادية الكبرى من التحولات الجارية في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ما يعزز الاتجاه نحو نظام اقتصادي عالمي أكثر تعددية في مراكز القوة.
ويخلص فتوح إلى أن الحروب تحمل تكلفة اقتصادية تفوق بكثير أي مكاسب محتملة، إذ تؤدي إلى اضطراب التجارة العالمية وتقلب العملات وارتفاع معدلات التضخم وتعطل سلاسل الإمداد.
ويؤكد فتوح أن تعزيز الاستقرار والسلام الاقتصادي يمثل شرطا أساسيا لازدهار الأسواق العالمية، مشيراً إلى أن دور المصارف العربية لا يقتصر على إدارة المخاطر المالية، إنما يمتد إلى دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز قدرة الاقتصادات العربية على مواجهة الأزمات العالمية.



