تتصاعد المخاوف في الأوساط الاقتصادية الأمريكية بشأن المسار المتسارع للدين العام، وسط استمرار العجز المالي وارتفاع كلفة الاقتراض، في وقت تسعى فيه المؤسسات البحثية إلى تحديد النقطة التي قد يتحول عندها الدين من تحدٍ مالي قابل للإدارة إلى أزمة تهدد استقرار أكبر اقتصاد في العالم.
وفي هذا السياق، حذرت دراسة صادرة عن نموذج الموازنة في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا من أن الدين الفيدرالي الأمريكي قد يصل إلى مستوى غير قابل للاستدامة إذا تجاوز 210% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما وصفته الدراسة بـ"الحد الأقصى للملاءة المالية". ووفقاً للباحثين، فإن تجاوز هذا المستوى يعني أن أي زيادات واقعية في ضرائب الدخل لن تكون كافية لتمويل مدفوعات الفائدة والحفاظ في الوقت نفسه على جاذبية سندات الخزانة للمستثمرين.
تشير البيانات إلى أن الدين الأمريكي يعادل حالياً نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس ارتفاعه إلى 175% بحلول عام 2056 إذا استمرت السياسات المالية الحالية دون إصلاحات جوهرية.
ورغم أن بلوغ عتبة 210% يبدو بعيداً نسبياً، فإن الدراسة ترى أن عوامل عدة قد تسرّع الوصول إليها، أبرزها الارتفاع المستمر في تكاليف الرعاية الصحية وزيادة الإنفاق الحكومي على البرامج الصحية والاجتماعية، ما يضيف أعباء متزايدة على الموازنة الفيدرالية.
25 عاماً قبل الوصول إلى نقطة الخطر
وتقدّر الدراسة أن الولايات المتحدة تمتلك ما بين 19 و25 عاماً قبل بلوغ الحد الأقصى للدين، بحسب معدلات النمو الاقتصادي المتوقعة. ففي سيناريو النمو المنخفض قد يستغرق الأمر نحو 25 عاماً، بينما ينخفض إلى 22 عاماً في سيناريو النمو المتوسط، وإلى 19 عاماً في حال النمو المرتفع.
لكن الصورة قد تكون أكثر تعقيداً إذا واصلت تكاليف الرعاية الصحية ارتفاعها وفق المعدلات التاريخية، إذ ترفع هذه الفرضية احتمالات بلوغ الحد الأقصى للدين خلال 14 عاماً فقط، ما يزيد الضغوط على صناع القرار لتسريع الإصلاحات المالية.
ضرائب أعلى وإصلاحات مؤلمة
وترى الدراسة أن تفادي هذا السيناريو يتطلب إجراءات صعبة سياسياً واقتصادياً، تشمل زيادة دائمة بنحو 15 نقطة مئوية على ضرائب دخل العمل، إضافة إلى توسيع القاعدة الضريبية وإلغاء بعض الإعفاءات الممنوحة لأصحاب الدخول المرتفعة.
كما تحذر من أن ارتفاع أسعار الفائدة أو تقلص حجم القوى العاملة أو تراجع الإيرادات الضريبية قد يزيد من صعوبة معالجة الأزمة، ويرفع كلفة استعادة الاستدامة المالية مستقبلاً.
تداعيات تتجاوز المالية العامة
ولا يقتصر تأثير تراكم الدين على الموازنة الحكومية فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد الأمريكي بأكمله. فارتفاع الاقتراض الحكومي يؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص على رؤوس الأموال، ما يحد من الاستثمارات الإنتاجية ويضغط على معدلات النمو والأجور والاستهلاك.
وتشير الدراسة إلى أن السياسات التجارية والقيود المفروضة على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية قد تقلص الفترة الزمنية المتاحة أمام الولايات المتحدة لمعالجة أوضاعها المالية بما يتراوح بين عامين وأربعة أعوام، ما يزيد من أهمية التحرك المبكر.
ثقة الأسواق.. خط الدفاع الأول
يعتمد السيناريو الحالي على فرضية استمرار ثقة الأسواق المالية في قدرة الحكومة الأمريكية على استعادة الانضباط المالي في نهاية المطاف. إلا أن الباحثين يحذرون من أن أي تراجع في هذه الثقة قد يغير المشهد بصورة سريعة.
فإذا بدأت الأسواق في التشكيك بقدرة الكونغرس والبيت الأبيض على معالجة الاختلالات المالية، فقد يطالب المستثمرون بعوائد أعلى على السندات الحكومية، ما يرفع كلفة خدمة الدين ويزيد الضغوط على الموازنة الفيدرالية.
اليابان ليست نموذجاً مطابقاً
ورغم التحذيرات، لا يزال بعض الاقتصاديين يشيرون إلى تجربة اليابان التي تجاوز دينها العام 200% من الناتج المحلي الإجمالي منذ سنوات دون التعرض لأزمة ديون سيادية.
غير أن الباحثين يؤكدون وجود اختلافات جوهرية بين البلدين، إذ يعتمد الدين الياباني بدرجة كبيرة على المستثمرين المحليين، بينما تستفيد الولايات المتحدة من الطلب العالمي الواسع على سندات الخزانة والدور المحوري للدولار في النظام المالي العالمي.
المستثمرون اليابانيون قد يغيرون المعادلة
وتبرز اليابان أيضاً كعامل مؤثر في مستقبل سوق الدين الأمريكي، إذ يمتلك المستثمرون اليابانيون نحو تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، ما يجعلهم أكبر حائز أجنبي للدين الأمريكي.
ومع ارتفاع العوائد على السندات اليابانية وزيادة جاذبية الاستثمار المحلي هناك، تتزايد احتمالات عودة جزء من هذه الأموال إلى السوق اليابانية، الأمر الذي قد يقلص الطلب على السندات الأمريكية ويرفع تكاليف الاقتراض الحكومي.
اقرأ أيضا: الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي يؤدي اليمين الجمعة في البيت الأبيض
2034.. موعد قد يفرض الإصلاح
ويرى اقتصاديون أن عام 2034 قد يمثل نقطة تحول مهمة، مع اقتراب نفاد أموال صناديق الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وهو ما قد يدفع صناع القرار الأمريكيين إلى تبني إصلاحات مالية أوسع وأكثر جرأة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأبرز: هل تتحرك الولايات المتحدة لمعالجة اختلالاتها المالية قبل بلوغ نقطة اللاعودة، أم أن أسواق السندات ستفرض عليها الإصلاحات تحت ضغط ارتفاع الدين وتكاليف خدمته؟
