حين سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الآونة الأخيرة عن مخاطر ارتفاع أسعار الفائدة على الديون الحكومية الأمريكية، أجاب الصحافيين المندهشين: "التدخل الحاسم هو جيشنا، وإذا اضطررنا لاستخدامه فسنفعل".
لم تفلح هذه الكلمات الحماسية في تهدئة أسواق السندات المتوترة، بل زاد استئناف القصف الجوي ضد إيران الطين بلة.
شهد الأسبوعان الماضيان موجة اضطراب اجتاحت أسواق السندات السيادية في الاقتصادات الكبرى. فقفز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.8%، بينما لامس عائد الـ30 عاماً أعلى مستوياته منذ 2008.
إعادة تقييم للمالية العامة
نيل شيرينج، كبير الاقتصاديين في "كابيتال إيكونوميكس"، أوضح أن الدافع هو إعادة تقييم الأسواق للمالية العامة، مشيراً إلى أن الدين الأمريكي تجاوز 40 تريليون دولار مع عجز سنوي متوقع عند 6% من الناتج المحلي.
وقال: "بدأنا نشهد إعادة تقييم أكثر واقعية للضغوط المالية في الولايات المتحدة، وما يميز الولايات المتحدة هو غياب الاعتراف بوجود مشكلة؛ لا توجد خطة".

اقرأ أيضا: ترمب يستأنف الضغط على "الفيدرالي" لخفض الفائدة بعد تقرير الوظائف | صحيفة الاقتصادية
راسل جونز، المحلل المخضرم في شركة "لويلين للاستشارات"، علق قائلا: "إن المسألة في علم الاقتصاد أن الأسواق تؤجل حكمها غالباً، ولا يمكنك حقاً التنبؤ باللحظة التي تقرر فيها فجأة أن هذا كاف"، بحسب صحيفة "ذا جارديان".
كما زادت محاولات وزير الخزانة سكوت بيسنت المتعثرة لتهدئة الأسواق ودعم الين من شعور المستثمرين بذعر صناع القرار.
يضاف إلى ذلك عودة اشتعال التضخم عقب صعود النفط متجاوزاً 90 دولاراً للبرميل إثر الهجمات المتبادلة في الشرق الأوسط، ما عزز رهانات رفع الفائدة.
إشارة استعداد للتحرك نحو رفع الفائدة
فسرت الأسواق خطاب رئيس الفيدرالي الأمريكي الجديد كيفن وارش على أنه إشارة للاستعداد للتحرك، وسط توقعات برفع المركزي الأوروبي للفائدة، ومواكبة بريطانيا واليابان للمسار ذاته.
علاوة على ذلك، أدى توسع كبرى شركات التكنولوجيا في الاستدانة لتمويل بنية الذكاء الاصطناعي التحتية إلى مزاحمة السيولة في السوق، حيث بلغت ديون 5 شركات كبرى 135 مليار دولار هذا العام وفق مجموعة "فانجارد".
سواتي دينجرا، صانعة السياسات في بنك إنجلترا، حذرت من أن صدمات المناخ واضطرابات الطقس تدفع الفائدة نحو ارتفاعات هيكلية دائمة.
اقرأ أيضا: 4 قوى تضغط على السندات.. الحرب على رأسها | صحيفة الاقتصادية
ارتفاع عوائد السندات .. أثر ينتشر إلى أنحاء العالم
مهما كانت أسباب ارتفاع عوائد السندات، فإن تأثيرها بدأ ينتشر بالفعل في جميع أنحاء العالم.
فقد ازداد الاقتراض العام في السنوات الأخيرة، حيث تدخل صناع السياسات لحماية المستهلكين من آثار جائحة كورونا، وواجهوا ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة منذ الحرب الروسية-الأوكرانية، وزادوا الإنفاق الدفاعي.
هذا يعني أن التغيرات الطفيفة في أسعار الفائدة العالمية قد يكون لها تأثير بالغ في ميزانيات الحكومات.

إلى جانب هذا، بدأت التداعيات تضرب الميزانيات الحكومية المثقلة بالديون.
في بريطانيا، حث ديفيد أيكمان، مدير "المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية"، حكومة آندي بيرنهام على خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب، مؤكداً: "النقطة الأساسية هي أننا نملك حجماً هائلاً من الديون، وهذا يجعلنا في وضع هش للغاية".
أما في أستراليا، فقد بلغت عوائد السندات أعلى مستوياتها منذ 15 عاماً عقب تخطي الدين تريليون دولار أسترالي.
أوضح خبير الموازنة المستقل كريس ريتشاردسون أن "ارتفاع تكلفة الاقتراض يعني أن الخيارات الصعبة المتاحة أصبحت أصعب".
مخاطر عوائد السندات أشد في الدول النامية
في الدول النامية، فالمخاطر أشد وطأة، حيث حذر ماثيو مارتن، من مؤسسة "تمويل التنمية الدولية" من أن عديدا من هذه الدول "على حافة الهاوية".
وقال "إذا اضطرت هذه الدول للاقتراض بفائدة أعلى بـ -2%، فهذا يعني أموالاً أقل للصحة والتعليم".
مع أن موجة البيع هدأت مؤقتاً نهاية الأسبوع، فإن استقرار العوائد عند مستويات مرتفعة يظل تذكيراً قاسياً لصناع القرار بأن خططهم أصبحت رهينة قوى مالية عالمية تتجاوز نطاق سيطرتهم بالكامل.


