في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولا غير مسبوق في الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة، يبرز سؤال رئيسي: لماذا أصبح مقياس "البارومتر" مؤشرا ضروريا واستراتيجيا في صناعة المعادن العالمية؟
يكمن الجواب في الطبيعة الحرجة للمعادن الأساسية، التي تعد حجر الزاوية في كل تكنولوجيا حديثة، من السيارات الكهربائية ثلاثية الأبعاد إلى الروبوتات الصناعية، ومراكز البيانات، وحتى الشبكات الكهربائية الخضراء التي تهدف إلى إزالة الكربون من الاقتصاد العالمي.
وأطلق في منتدى معادن المستقبل (FMF) النسخة الافتتاحية للبارومتر، وهو أول مقياس عالمي مصمم لتتبع التقدم في تطوير سلسلة القيمة للمعادن الحيوية في البلدان الموردة.
ويهدف هذا المقياس إلى توفير أداة موثوقة للحكومات، الشركات، والمستثمرين لتقييم المخاطر، توجيه الاستثمارات، وفهم الفجوات بين العرض والطلب في سوق المعادن الحرجة على مستوى عالمي.
خريطة طريق استراتيجية توضح الاتجاهات
ويقول خالد المديفر نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين في السعودية، "إن البارومتر يمثل وثيقة تاريخية لصناعة المعادن، فهو ليس مجرد أداة قياس، بل خريطة طريق استراتيجية توضح الاتجاهات الرئيسية، وتسلط الضوء على تقدم الإمدادات، وتقدم توصيات عملية لضمان استدامة سلاسل القيمة المعدنية الحيوية".
وبين أن هذه المعادن ليست مجرد خامات، بل أساس مستدام للنمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي في السعودية، وتفتح آفاقا واسعة للاستثمار في الصناعات المستقبلية.
البارومتر يعتمد على إطار المعادن المستقبلية، الذي تم تطويره منذ عام 2023 بمشاركة أكثر من 130 خبيرا من 42 دولة، بما في ذلك الحكومات، المنظمات متعددة الأطراف، الشركات، والمنظمات غير الحكومية.
ضمان تطوير سلسلة قيمة معدنية متكاملة ومرنة
ويحدد الإطار العوامل التمكينية الأساسية لضمان تطوير سلسلة قيمة معدنية متكاملة ومرنة، تشمل: السياسة واللوائح: وضع سياسات وتشريعات مستقرة لجذب الاستثمارات وتشجيع تطوير سلسلة القيمة المعدنية، وكذلك التمويل من تأمين الاستثمارات الكبيرة وإدارتها من خلال حلول تمويل مبتكرة لدعم المشاريع على المدى الطويل.
وذلك إلى جانب البنية التحتية في تطوير بنية تحتية متعددة الوسائط تشمل الطرق، السكك الحديدية، والموانئ لتقليل تكاليف المشاريع وتعزيز جدواها الاقتصادية.
وتشمل أيضا الاستدامة في إنشاء أطر قوية للحوكمة البيئية والاجتماعية لضمان استدامة عمليات التعدين والتصنيع، إضافة إلى المواهب في الاستثمار في التعليم وبرامج التدريب المحلية، وتعزيز البحث والتطوير لتأهيل القوى العاملة المتخصصة، وأيضا التكنولوجيا من خلال ترقية نظم البيانات الجيولوجية والشراكة مع خبراء عالميين للوصول إلى أحدث التقنيات التي تعزز الكفاءة التشغيلية.
وأخيرا الجيولوجيا عبر تطوير قدرات البيانات الجيولوجية المتاحة والموثوقة في البلدان الموردة لجذب الاستثمار وتعزيز التخطيط الاستراتيجي للمشاريع.
إنشاء سلاسل قيمة معدنية مرنة ومسؤولة
ويحدد الإطار خريطة طريق شاملة لإنشاء سلاسل قيمة معدنية مرنة ومسؤولة، تغطي كل مرحلة من الاستكشاف والتعدين مرورا بالخدمات اللوجستية والمعالجة والتصنيع المتقدم، مع تعزيز كل خطوة عبر التعاون الوثيق بين الحكومات والصناعة والمجتمعات المحلية.
يقدم البارومتر رؤية دقيقة حول توزيع الاستثمارات، تدفقات رأس المال، وإدراك المخاطر في أسواق المعادن الحرجة. وتكشف البيانات عن المناطق التي يتركز فيها الاستثمار، والفجوات بين العرض والطلب، وفرص تعزيز سلاسل القيمة لتصبح أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الطلب العالمي المتزايد.
روبرت فريدلاند، مؤسس مناجم إيفانهو يشير إلى أن كهربة أنظمة الطاقة في العالم، ورقمنة كل جزء من الاقتصاد، والنمو الهائل للذكاء الاصطناعي تتلاقى في مستقبل كثيف المعادن، مضيفا "الحقيقة بسيطة: لا يمكنك إزالة الكربون أو الحساب أو النقل دون التعدين" .
بينما بوب ويلت الرئيس التنفيذي لشركة معادن، يعتبر أن التحدي الأكبر الذي نواجهه ليس المعدات أو رأس المال أو التكنولوجيا، بل الموارد البشرية المؤهلة، وهي العامل الحاسم لضمان تلبية الطلب العالمي.
فيما يؤكد دنكان وانبلاد الرئيس التنفيذي لشركة أنجلو أمريكان أن الطلب على النحاس سيصل إلى 56 مليون طن سنويا بحلول عام 2050، بزيادة 75% عن مستويات اليوم، ما يتطلب تشغيل نحو 60 منجما جديدا على مستوى العالم خلال العقد المقبل لتعويض المناجم القديمة.
وفي الوقت نفسه، شدد غوستافو بيمنتا، الرئيس التنفيذي لشركة فالي على أن التعدين هو عنصر أساسي لتحقيق مستقبل مستدام يجمع بين التنمية الاقتصادية، الحفاظ على البيئة، والمسؤولية الاجتماعية، قال "لا يمكن تصور التحول الصناعي والطاقة النظيفة دون التعدين، فهو قاعدة كل شيء".



