سجلت أسعار الملابس في الولايات المتحدة أكبر زيادة منذ أكثر من 3 أعوام، مع تزايد الضغوط على قطاع الأزياء نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام المرتبطة بالحرب، إضافة إلى تداعيات الحرب التجارية الأمريكية.
ارتفعت أسعار الملابس 4.2% خلال الاثني عشر شهرا المنتهية في أبريل، في أكبر زيادة منذ أكثر من 3 أعوام، كما يمثل ذلك الشهر الخامس على التوالي من الارتفاعات، ما أعاد النقاش حول قدرة المستهلكين على تحمل زيادات إضافية في الأسعار، وفقا لـ" ماركت ووتش".
خلال الأشهر الماضية، حاولت شركات الملابس تجنب زيادات كبيرة في الأسعار، مفضلة رفعها تدريجيا وبنسب محدودة، في ظل مؤشرات على تعاف هش في إنفاق المستهلكين.
إلا أن بيانات الشهر الماضي، تشير إلى أن المصنعين وتجار التجزئة بدأوا أخيرا تمرير جزء من التكاليف المتزايدة إلى المستهلكين، مع تراكم الضغوط الناتجة عن الحرب في إيران والحرب التجارية التي تقودها الولايات المتحدة.
ويرى محللون أن الحرب أسهمت في رفع أسعار النفط، وهو ما انعكس بدوره على تكاليف النقل والشحن، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد المستخدمة في صناعة الملابس مثل البوليستر والنايلون والقطن. ومع ارتفاع هذه التكاليف، وجدت الشركات نفسها مضطرة إلى تعديل الأسعار للحفاظ على هوامش الربحية.
قال محلل تجارة التجزئة في شركة جلوبال داتا، نيل سوندرز، إن كثيرا من تجار التجزئة باتوا يرون أن رفع الأسعار أصبح أمرا لا مفر منه، مضيفا "بدأت هذه الزيادات تؤثر في هوامش الأرباح، ولذلك يرى كثير من التجار أنه يجب التحرك الآن قبل أن تتفاقم الضغوط".
أشار إلى أن شركات التجزئة قد لا تكون قلقة كثيرا بشأن رد فعل المستهلكين في الوقت الحالي، إذ أظهرت البيانات أن المستهلك الأمريكي ما زال قادرا على الإنفاق رغم الضغوط الاقتصادية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة.
أوضح سوندرز أن "المستهلك لا يزال متماسكا نسبيا، وما زال يقبل على الشراء"، مضيفا أن هذا الأمر جعل بعض الشركات أكثر ثقة في تمرير زيادات الأسعار إلى العملاء.
لكن رغم هذه الثقة، يحذر محللون من أن الملابس غالبا ما تكون أول بند يتراجع عنه المستهلكون عند تزايد الضغوط على ميزانياتهم.
وفق لكبير مستشاري تجارة التجزئة في شركة سيركانا، مارشال كوهين، عادة ما يتراجع الإنفاق على السلع الكمالية مثل الأزياء قبل غيرها عندما ترتفع تكاليف المعيشة.
وقال كوهين إن المستهلكين يميلون أولا إلى تقليص الإنفاق على الموضة والمنتجات غير الأساسية، قبل أن يمتد التراجع لاحقًا إلى السلع المعمرة مثل الأجهزة المنزلية.
وتشير بيانات سيركانا إلى أن إجمالي الإنفاق على الملابس انخفض بنسبة 3% منذ بداية العام حتى أوائل مايو، رغم أن متوسط السعر لكل عملية شراء ارتفع بنحو 5% خلال الفترة نفسها.
كما أظهرت بيانات الإنفاق عبر بطاقات بنك أوف أمريكا أن نمو الإنفاق على الملابس تباطأ في مارس، ثم تباطأ بشكل أكبر في أبريل مقارنة بالشهر السابق، رغم بقائه أعلى من مستواه في الشهر نفسه من العام الماضي. في المقابل، كان عدد عمليات شراء الملابس بالكاد أعلى من مستواه قبل عام، ما يعكس تأثير ارتفاع الأسعار.
ويرى محللو البنك أن هذا التباطؤ قد يعكس أيضًا تحولا في سلوك المستهلكين، حيث يتجه بعضهم إلى شراء الملابس من متاجر منخفضة الأسعار أو المتاجر الكبرى متعددة السلع في محاولة لتقليل النفقات.
ورغم هذه الضغوط، أظهرت بعض شركات الملابس إشارات على تحسن الأداء خلال العام الجاري، بعد أن أعلنت سلاسل بيع بالتجزئة عن انتعاش تدريجي في المبيعات.
كما حققت بعض العلامات التجارية تحسنًا في الطلب، بفضل إطلاق منتجات جديدة وحملات تسويقية تستهدف جذب المتسوقين إلى المتاجر.
في الوقت نفسه، لا تزال سلاسل التوريد العالمية تضيف مزيدا من التعقيد إلى صناعة الأزياء. فمعظم الملابس التي يشتريها الأمريكيون يتم استيرادها من الخارج، إذ يأتي أكثر من 70% من واردات الملابس الأمريكية من آسيا، بما في ذلك دول مثل الصين وفيتنام.
وتلعب أسعار الطاقة دورا مهمًا في تكاليف الإنتاج، إذ يعتمد تصنيع مواد مثل البوليستر بشكل كبير على المشتقات النفطية.
ومع ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب في إيران، ارتفعت بدورها تكاليف هذه المواد، وفي الوقت نفسه، شهد القطن أيضًا ارتفاعًا في الأسعار مع زيادة الطلب على الألياف الطبيعية.
ويقدر خبراء أن المواد الخام تمثل نحو 60% من إجمالي تكاليف إنتاج الملابس، ما يجعل أي ارتفاع في أسعارها عاملا مباشرا في زيادة الأسعار النهائية للمستهلكين.
ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن زيادات الأسعار الأخيرة تعكس أيضا قدرا من الثقة لدى تجار التجزئة في قدرة المستهلك الأمريكي على التكيف مع التكاليف المرتفعة، حتى وإن اضطر إلى شراء عدد أقل من القطع أو اللجوء إلى متاجر منخفضة الأسعار.




