طرح «أرامكو» يتجاوز تأثيره القطاع النفطي إلى الاقتصاد العالمي

طرح «أرامكو» يتجاوز تأثيره القطاع النفطي إلى الاقتصاد العالمي

احتل خبر موافقة هيئة سوق المال السعودية أمس، على طلب شركة أرامكو بطرح جزء من أسهمها للاكتتاب العام مقدمة أخبار وسائل الإعلام العالمية الكبرى.
ويعكس الاهتمام الإعلامي الضخم، حجم الحدث وأهميته، والتوقعات المرتبطة بتداعياته، ليس فقط على الاقتصاد السعودي وأسواق المال في السعودية، بل على أسواق الطاقة الدولية والاقتصاد العالمي.
فاقتصاد الطاقة بعد طرح شركة أرامكو للاكتتاب، التي وصفها موقع بلومبيرج الإخباري بالشركة الأكثر ربحية في العالم، يختلف في كثير من المظاهر عن اقتصاد الطاقة قبل طرح "أرامكو" في هيئة سوق المال السعودية، كخطوة أولى على طريق طرحها لاحقا في البورصات العالمية.
ولكن، كيف ينظر الخبراء الغربيون إلى تلك الخطوة؟، وإلى أي مدى تتفق مع توقعات السوق الدولية؟، وما مدى تأثيرها في شركات النفط والاقتصاد العالمي؟ وما آليات التأثير؟. أسئلة ترتبط بعلاقة "أرامكو" بأسواق المال، وهي العلاقة التي وصفها بعض خبراء النفط لـ "الاقتصادية" برأس الحربة القادرة على تغيير الداخل السعودي وأسواق النفط الدولية في آن واحد.
وأوضح كريس وايت، الرئيس السابق لقسم الأبحاث في إدارة الطاقة والتغير المناخي في الحكومة البريطانية، أنه "قبل الإشارة إلى تأثير طرح أسهم "أرامكو" في البورصة السعودية، وتبعات ذلك على صناعة النفط والاقتصاد العالمي، يجب الإشارة أولا إلى أن الفكرة طرحت من قبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قبل نحو ثلاثة أعوام، وحينها أحدثت هزة في الأسواق الدولية، وجرى بشأنها عديد من التحليلات والتوقعات".
وأضاف وايت، أنه "مع مرور الوقت اعتقد البعض أن السعودية تخلت عن هذا الطرح، والآن ومع اتخاذ المملكة خطوات عملية بشأن طرح أسهم (أرامكو) في البورصة المحلية ولاحقا الدولية، فإنها تبعث برسالة شديدة الوضوح للأسواق الدولية، بأن القرارات في المملكة التي تعد أكبر منتج للنفط في العالم، تتخذ بروية وتأن، وهذا أمر شديد الحيوية والأهمية لاستقرار أسواق النفط العالمية، لأنه يكشف عن التزام الرياض بتعهداتها".
ويشير وايت، إلى أن "عملية الطرح تتضمن مرونة شديدة من الجانب السعودي، فالبعض يقدر القيمة السوقية لـ"أرامكو" حاليا بما يعادل تريليون و800 مليون دولار، أي أقل بنحو 200 مليار دولار عن التقديرات السابقة، التي وضعت الشركة عند سقف تريليوني دولار، كما أن رئيس مجلس إدارة "أرامكو" صرح خلال المؤتمر الصحافي بأن الشركة ستمضي في الاكتتاب العام حتى ولو ثبت أن التقييم أقل من تريليوني دولار، وهذا يكشف أن السعوديين جادين للغاية أيا كانت التكلفة في المضي قدما في تنفيذ تعهداتهم، وهذا يحمل رسالة للجميع، للأسواق الدولية ولقادة المجتمع الدولي ولرجال الأعمال وللشركات الاستثمارية العالمية بأن الرياض ملتزمة باستراتيجية محددة وواضحة لتنفيذ استراتيجيتها التنموية، عبر تنويع الاقتصاد وتحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمية".
البروفيسور إيان صمويل، أستاذ اقتصادات الطاقة في جامعة ويلز، يعتقد أنه يجب أن ننظر إلى تأثير خطوة اليوم على الاقتصاد العالمي واقتصادات الطاقة عبر مشهد أوسع نطاقا وتدريجي في الوقت ذاته.
ويضيف صمويل: "في اللحظة الراهنة ومع اقتراب عملية طرح أسهم شركة أرامكو في السوق السعودية، سنجد ما يشبه الموجات المتصاعدة في سوق الطاقة العالمية، وذلك عبر إدراك المستثمرين بأن الأسواق ستشهد تغيرا جذريا نتيجة تغير الأطر المحددة لعمل الأسواق، جراء التحول التدريجي من ملكية الدولة لـ"أرامكو" إلى ملكية حاملي الأسهم، وتلك الخطوة ستتصاعد، ومع طرح أسهم الشركة السعودية في الأسواق الدولية سنشهد تغيرات من نوع آخر، تتجاوز حدود أسواق النفط وشركات البترول والطاقة الدولية، لتمس أجزاء محورية في الاقتصاد العالمي، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن القيمة الإجمالية لـ"أرامكو" وعلى أقل تقدير ستتجاوز أكبر شركة في العالم وهي شركة أبل".
ويواصل صمويل قائلا، إن "الاقتصاد العالمي سيتأثر جراء الخطوة السعودية في عدة جوانب مختلفة، فأولا أسواق النفط ستكون أكثر توازنا واستقرارا مع الخطوة السعودية، وهذا سيوجد مزيدا من الاستقرار في أحد أهم القطاعات في الاقتصاد العالمي والاقتصاد الدولي ككل، ثانيا الخطوة السعودية تعني عمليا ضخ عوائد بيع أسهم "أرامكو" في صناديق استثمارية لمصلحة "رؤية المملكة 2030"، وهذا يعني مزيدا من الاستثمارات على نطاق عالمي واسع وذات طابع متنوع".
من جهتها، تعتقد كاثرين هيز الباحثة الاقتصادية أن أحد أبرز الجوانب التي ترسخها تجربة "أرامكوا" بطرح جزء من أسهمها في البورصة، أنها تقدم للعالم نموذجا حيا من أحد أبرز الاقتصادات الناشئة، بالقدرة على تحقيق مزيد من النجاحات عبر التحول من ملكية الدولة إلى ملكية حاملي الأسهم. وتضيف كاثرين: "نحن أمام شركة ناجحة بكل المعايير، تتمتع بعديد من المزايا الاقتصادية التي تمكنها من مواصلة عملها بصورة تقليدية لأعوام وأعوام، لكن القيادة السعودية الشابة قررت وفقا لنظرة مستقبلية التحول من هذا النمط إلى نمط أكثر واقعية ومرونة وأكثر اتساقا مع المستقبل".
وتشير كاثرين، إلى أن هذا يسمح بوضع مفاهيم جديدة للاقتصاد العالمي ككل، وللاقتصادات الناشئة على وجه التحديد، على أمل أن تقوم حكوماتها بخطوات مماثلة للخطوة السعودية.
ورغم أن بعض الأصوات الاقتصادية تضع في اعتبارها تقلبات أسواق النفط، إلا أن ذلك لا يدفعها للتشاؤم، ولكن يدفعها للدعوة إلى التريث وتوخي الحذر.
أليكس آدم الخبير النفطي، يعد طرح أسهم "أرامكو" في البورصة خطوة ضخمة على طريق إعادة تنظيم أسواق البترول العالمية، ومنحها المرونة الكافية لمواجهة التحديات المتعددة، التي تعوق في كثير من الأحيان تطوير استهلاك النفط بصورة أكبر وأكثر توازنا.
ويوضح آدم، أن "الأمر في نهاية المطاف لا يتوقف على طرح أسهم شركة ما في أسواق المال، حتى وإن كانت بحجم "أرامكو"، فالعامل الأساسي عند طرح الأسهم سيظل متعلقا بالأرباح، وهذا يعتمد على أسعار النفط، ولا شك أن طرح أسهم "أرامكو" سيجعل الأسواق أكثر استقرارا، لكن إذا أخذنا في الحسبان وضع الأسواق حاليا، فإننا أمام وضع يتطلب كثيرا من الحيطة والحذر، فقد تراجعت أرباح شركة "بي. بي" البريطانية خلال الربع الثالث من هذا العام 41 في المائة نتيجة ضعف أسعار النفط والغاز". وينوه آدم، إلى أن تلقي "أرامكو" نظرة أوسع على الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بنظرائها في أسواق النفط، لقياس إلى أي مدى يمكنها اجتذاب المستثمرين، ففي النهاية عنصر الجذب لأي مستثمر لا يكمن في سعر السهم، وإنما يكمن فيما يحققه السهم من أرباح.

سمات

الأكثر قراءة