السعودية .. والمراهنة على «أوبر»

عبدالله بن عبدالرحمن الربدي
abdullah_alrbdah

اعتمدت السعودية استراتيجية استثمارية متحفظة لإدارة أصولها طوال السنين الماضية خصوصا ما يتعلق بالاستثمارات الخارجية وهو ما نتجت عنه عوائد منخفضة لكن آمنة بشكل عال بما يتوافق مع الأهداف المرصودة لهذه  الاستراتيجية في ذلك الوقت، لكن مع تغيير الأهداف تم تغيير الاستراتيجيات من قبل المجلس الاقتصادي الأعلى ليكون هدف الاستثمار  توليد عوائد أعلى والسماح بأخذ مخاطر أعلى، لذلك شهدنا ولأول مرة استثمار صندوقنا السيادي في قطاعات تقنية في شركات ما زالت في طور النمو كخطوات فيها جرأة. هنالك كثير من المتابعين لهذه الخطوات أبدوا قلقهم من نجاح هذه الاستثمارات، بل ذهب البعض إلى الحكم بفشلها مسبقا! وهذا يدل على تسرع غريب في الأحكام، ومن أبرز ما تم تداوله استثمار الصندوق في شركة أوبر.
أولا أكبر سوء فهم لعمل هذه الشركة اعتقاد الأغلبية أنها شركة تقدم خدمة بديلة لسيارة الأجرة العادية أو أنها شركة خدمات. الحقيقة أن "أوبر" تصنف كشركة تعمل في الخدمات اللوجستية، حيث تقدم خدمات تشمل السيارات واليخوت والهليكوبتر وحتى الدراجات النارية وغيرها، لذلك نجد التطبيقات قابلة للتوسع بكل سهولة مستفيدة في الأساس من قاعدة العملاء التي بنتها وما زالت تقاتل لتنميها. الشركة بدأت العمل في 2009 كأول شركة في هذا المجال معلنة التغيير الكبير في هذا القطاع بداية من أمريكا ومن ثم تنتشر إلى أكثر من 70 دولة اليوم كأكبر شركة تعمل في هذا القطاع وتغطي 450 مدينة وقامت بأكثر من ملياري رحلة منذ أن بدأت ولديها أكثر من 40 مليون مستخدم نشط شهريا، 16 مليونا منهم في أمريكا ما يعادل 40 في المائة من المستخدمين وتقوم بمليون رحلة يوميا، مع العلم أن الأرقام تنمو حسب آخر التقارير التي أشارت إلى أن "أوبر" حققت في تموز (يوليو) الماضي 62 مليون رحلة بمعدل مليوني رحلة يوميا.
فيما يخص نتائجها المالية ما زالت الشركة تحقق خسائر كبيرة، حيث حققت في النصف الأول من 2016 خسائر قبل احتساب الفوائد والإهلاكات والضرائب 1.27 مليار دولار وهو رقم غير مسبوق لشركة تعتمد التقنية وفي طور النمو، وتشير التقديرات إلى تحقيق الشركة خسائر في الربع الثالث بمقدار 800 مليون دولار مع العلم أن الشركة على صعيد الإيرادات تحقق نموا عاليا، حيث نمت المبيعات من 3.8 مليار في الربع الأول من 2016 إلى خمسة مليارات في الربع الثاني بنسبة 32 في المائة، وصافي المبيعات (بعد استبعاد الخصومات وحصة السائقين) نما من 960 مليونا إلى 1.1 مليار خلال الفترة نفسها وبمقدار 15 في المائة فقط. التقارير تشير إلى تحقيق الشركة خسائر منذ نشأتها بما لا يقل عن أربعة مليارات دولار.
إذن كيف تخسر الشركة إلى الآن رغم النمو؟ ومتى ستربح؟ للإجابة عن هذه الأسئلة سأشرح استراتيجية الشركة حسب تحليلي لها وما جمعته من معلومات لا يعلم عنها أكثر من ينتقد الاستثمار فيها.
أوبر - وعلى عكس جميع الشركات الأخرى - لا تعمل في سوق أو منطقة جغرافية واحدة بل تغطي دولا أكثر من كل الشركات المنافسة التي تقوم استراتيجيتها على التركيز في سوق واحدة أو بشكل إقليمي محدد فقط، وهذا له مميزات وله مخاطر على شركة أوبر، حيث إنها الوحيدة التي توفر للعميل خدماتها في 70 دولة لكن في الوقت نفسه هي تخوض حربا في كل منطقة ودولة أمام منافسين محليين (مثل كريم في الشرق الأوسط) يقاتلون بشراسة لأخذ حصة منها وهذه العملية مرهقة لها ومكلفة بشكل كبير، وأفضل مثال معركة "أوبر" في الصين التي استهلكت موارد الشركة وتكلفتها ما يقارب ملياري دولار خسائر مع منافستها ديدي التي وصلت مرحلة كسر العظم بينهما وفي النهاية استسلمت "أوبر" وسلمت السوق الصينية بأكملها لمنافستها عن طريق استحواذ المنافس الصيني عليها وتسوية معينة. الحال نفسه وإن كان بدرجة أقل يحدث في السوق الأمريكية مع منافستها شركة ليفت التي تنمي حصتها في السوق وهو ما رفع درجة المنافسة بينهما بشكل متصاعد.
إذن استراتيجية أوبر هي "النمو أولا ثم الأرباح تاليا" وهو ما يتضح مما تفعله "أوبر" الآن، حيث إنها تحارب للاستحواذ على الحصة الأكبر في الأسواق الرئيسة بطريقة المقولة الشهيرة "الرابح يأخذ كل شيء" ولتحقيق هذا الهدف عليها المنافسة في جهتين، أولا العملاء وثانيا السائقين.
العملاء: تقوم شركة أوبر خصوصا في أمريكا بعمل خصومات قوية في الأماكن التي تواجه فيها منافسة من قبل "ليفت" حتى أصبحت أسعارها أقل من الجميع سواء سيارات أجرة أو من "ليفت".
السائقون: تقوم شركة أوبر بمحاولة استقطاب مزيد من السائقين وتتنافس مع "ليفت" في هذا الموضوع حيث عمدت الأخيرة إلى السماح للعملاء عن طريق البرنامج بإعطاء "نفحة" أو "بقشيش" للسائقين ما زاد من رغبة السائقين للعمل مع "ليفت". في المقابل ومع تخفيض أوبر من قيمة الرحلة ضعف دخل السائق وهو ما اضطر "أوبر" إلى تعويضهم باحتساب نسبة السائق من الأجر الأصلي قبل التخفيض وهو ما أدى إلى أن تدفع الشركة للسائق أكثر من المتحصل من العميل.
بهذا تتضح استراتيجية الشركة وهي استراتيجية "طويلة الأمد" تقوم على مبدأ المنافسة في طرفين كليهما مكلف وهو الاستحواذ على مزيد من العملاء ومزيد من السائقين، ولتحقيق هذا الهدف تضطر الشركة إلى أن تكون الأقل في التكلفة على العميل  ترفع دخل السائق وذلك ما يؤدي إلى خسارة الشركة للنقد وهو ما يفسر أغلب خسائر الشركة الحالية.
تراهن الشركة على التقنية كحل لها عن طريق طرح خدمة السيارات الذاتية القيادة كبداية في كاليفورنيا ما يعني الاستغناء عن السائقين مستقبلا الذي سيؤدي (في حال نجاح الخطة وعملها دون مشكلات) إلى تحقيق الشركة الهدف الذي رسمته والتحول للأرباح بسهولة مستفيدة من قاعدة العملاء التي قاتلت لتنميها وتحافظ عليها، وهو كما وضح لدينا كلفها كثيرا من الخسائر. ولكي تستمر الشركة في القتال والمنافسة يجب عليها تأمين مصادر التمويل، ولذلك هي دائما تطرح حصصا للبيع وجمع أموال من المستثمرين حيث دخلت معها السعودية بأكبر استثمار تحقق للشركة.
ختاما، أعتقد أن الشركة تطبق استراتيجية طموحة وفي الوقت نفسه خطرة، لكن عوامل النجاح متوافرة لها سواء من تقنية (امتلاكها تقنية سيارات ذاتية القيادة) أو باستحواذها على أكبر قاعدة عملاء في العالم وفي حال نجاحها ستحقق أرباحا كبيرة كفيلة بتعويض جميع من استثمر معها. وأعتقد أننا لن نرى الشركة تربح خلال الفترة القريبة وستستمر في تحقيق الخسائر، لكن المؤشر الأهم هو النمو في قاعدة العملاء والسائقين والإيرادات فمن خلالها نستطيع الحكم على مدى نجاح استراتيجيتها.

إنشرها