مؤشر الاقتصادية العقاري

السوق العقارية تنهي 2016 بأسوأ أداء منخفضة 40 % مقارنة بذروتها التاريخية

اختتمت السوق العقارية المحلية نشاطها خلال 2016 على أسوأ أداء سنوي لها خلال آخر عشر سنوات، لينخفض إجمالي قيمة صفقاتها العقارية إلى مستوى 265.8 مليار ريال، مقارنة بنحو 348 مليار ريال خلال 2015، مسجلة نسبة انخفاض بلغت 24 في المائة "انخفاض صفقات القطاع السكني بنسبة 32 في المائة، انخفاض صفقات القطاع التجاري بنسبة 8.4 في المائة".

كما سجلت نسبة انخفاض قياسية بالمقارنة مع ذروة أدائها التاريخي المتحققة خلال 2014، وصلت إلى نحو 40 في المائة، منخفضة من أعلى من 441.3 مليار ريال تمكنت السوق العقارية من الوصول إليها خلال 2014 كأعلى قيمة تاريخية للصفقات العقارية المحلية، لتستقر عند 265.8 مليار ريال المتحققة خلال العام الماضي 2016. جاءت الخسائر الأكبر على حساب صفقات القطاع السكني، التي سجلت خسائر فادحة خلال الفترة وصلت إلى نحو 47 في المائة، أي ما يقارب نصف قيمتها التي كانت قد وصلت إليها خلال 2014، فيما سجلت صفقات القطاع التجاري خسائر أدنى وصلت إلى نحو 26 في المائة، أي ما يقارب ثلث قيمتها المسجلة خلال 2014.

انعكس الأداء السلبي للسوق العقارية المحلية خلال أكثر من عامين مضيا على الأسعار المتضخمة للأصول العقارية، وهو ما أظهرته الاتجاهات السعرية السنوية لمختلف تلك الأصول السكنية، التي كشفت عن انخفاض متوسطات الأسعار السنوية لعام 2016، مقارنة بأعلى المتوسطات السعرية المسجلة خلال ذروة أداء السوق العقارية، جاءت على النحو الآتي: انخفاض متوسط السعر السنوي لمتر الأراضي الزراعية السكنية المسجل خلال 2016 بنسبة 55 في المائة، انخفاض متوسط السعر السنوي للبيوت السكنية المسجل خلال 2016 بنسبة فاقت 54 في المائة، وانخفاض متوسط السعر السنوي لمتر قطع الأراضي السكنية المسجل خلال 2016 بنسبة 38 في المائة، انخفاض متوسط السعر السنوي للعمائر السكنية المسجل خلال 2016 بنسبة فاقت 33 في المائة، وانخفاض متوسط السعر السنوي للفلل السكنية المسجل خلال 2016 بنسبة وصلت إلى 17 في المائة، وأخيرا انخفاض متوسط السعر السنوي للشق السكنية المسجل خلال 2016 بنسبة وصلت إلى 8 في المائة.

كما سجل إجمالي عدد الصفقات العقارية خلال 2016 انخفاضا سنويا مقارنة بمستواه خلال 2015، وصلت نسبته إلى 25 في المائة "انخفاض بنسبة 32 في المائة مقارنة بـ 2014"، ليستقر في نهاية العام عند 222.4 ألف صفقة عقارية، مقارنة بمستوى 295 ألف صفقة عقارية خلال 2015، ونحو 325 ألف صفقة عقارية خلال 2014. أما على مستوى إجمالي عدد العقارات المبيعة خلال 2016، فقد سجل انخفاضا سنويا مقارنة بمستواه خلال 2015 بنسبة 25 في المائة "انخفاض بنسبة 32 في المائة مقارنة بـ 2014"، ليستقر في نهاية العام عند 239 ألف عقار مبيع، مقارنة بمستوى 317 ألف عقار مبيع خلال 2015، وأعلى من 349 ألف عقار مبيع خلال 2014. أخيرا على مستوى إجمالي مساحة الصفقات العقارية خلال 2016، فقد سجل انخفاضا سنويا مقارنة بمستواه خلال 2015 بنسبة 11 في المائة "ارتفاع قياسي بنسبة 119 في المائة مقارنة بـ 2014"، ليستقر بنهاية العام عند 8.4 مليار متر مربع، مقارنة بمستوى 9.5 مليار متر مربع خلال 2015، وأعلى من 3.8 مليار متر مربع خلال 2014.

 

إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء

 

عُدّ إقرار مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، الذي صدر بتاريخ 13 حزيران (يونيو) 2016، القرار الأبرز خلال عام 2016، ونقطة التحول الأهم والأبرز أيضا التي حدثت طوال تاريخ السوق العقارية المحلية، وهو القرار التاريخي الذي سبقه خلال العام الأسبق، موافقة مجلس الوزراء على النظام المقرر من مجلس الشورى في تاريخ 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، الذي كان نواته الأولى التوصية المرفوعة من مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية إلى مجلس الوزراء في تاريخ 23 آذار (مارس) 2015، ليستغرق بذلك أقل من 15 شهرا منذ إعلان توصيته المبدئية، حتى تاريخ إقرار اللائحة التنفيذية للنظام.

 

الآثار الإيجابية للرسوم على الأراضي البيضاء

 

أظهرت الآثار الأولية لتطبيق الرسوم على الأراضي البيضاء، تأكيدا لما كان متوقعا أثناء الفترة الطويلة لترقبها خلال السنوات الأخيرة، وجاءت وتيرتها أسرع مما كان حتى متوقعا، التي تركزت على أن جانب عروض بيع الأراضي سيشهد اتساعا كبيرا خلال الفترة المقبلة، وهو الأمر الإيجابي الذي يتوافق تماما مع الهدف الرئيس لإقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي تركز على تفكيك دائرة الاحتكار المسيطرة عليها بمساحات شاسعة جدا، مقابل تداول ما لا يتجاوز 10.0 في المائة من مساحاتها بيعا وشراء على مستوى كامل السوق العقارية، وأن تلك الرسوم تمثل في الوقت الراهن أمام التشوهات الجاثمة على السوق، الأداة الأكثر فاعلية لتحرير بقية الأراضي المكتنزة لدى ملاكها دون التفكير من قبلهم في تطويرها أو الانتفاع بها، وهذا بدوره سيقود السوق العقارية إلى تحقيق التوازن المفقود تماما بين قوى العرض والطلب، الذي سيؤدي لاحقا إلى توازن الأسعار المتضخمة في الوقت الراهن، ويعيدها إلى مستويات أكثر عدالة مما هي عليه الآن، تستقر في مستويات أدنى بكثير من مستوياتها الراهنة المتضخمة سعريا، وتعكس فعليا تعادل قوى الشراء بناء على مستوى دخل الأفراد وقدرتهم على الاقتراض من جانب، ومن جانب آخر وفرة العروض من الأراضي المطورة الصالحة للبناء والتشييد والاستخدام السكني.

يتوقع وفقا لما تقدم؛ أن تتزايد بصورة أكبر العروض العقارية من قطع الأراضي السكنية بالدرجة الأولى، وبقية أنواع المنتجات العقارية الأخرى من بيوت وشقق وعمائر وفلل سكنية، وتزامن تلك الزيادة المتسارعة في العروض العقارية مع تراجع متوسطات أسعارها السوقية. ولمعرفة وتقدير نسب تراجع الأسعار السوقية، يظل مهما جدا التعرف على أن كميات ومساحات الأراضي خارج منصة التداول بيعا وشراء، تفوق في حجمها "تسعة أضعاف" حجم المتداول منها في الوقت الراهن! وهي الحقيقة الرقمية المثبتة رسميا والمستخلصة من بيانات كل من وزارة العدل وأمانات المدن الرئيسة. يمكن القول إن مجرد تضاعف حجم المعروض من الأراضي السكنية مرة أو مرتين خلال عام مقبل، من شأنه أن ينعكس على مستويات الأسعار المتضخمة بالانخفاض بما لا يقل عن 50 في المائة على أقل تقدير، وهو ما بدأ فعليا حدوثه وفق ما أظهرته الاتجاهات السعرية بنهاية 2016، وقد تتجاوز نسب الانخفاض في الأسعار تلك النسبة بحسب المواقع التي شهدت مضاربات سعرية حادة على الأراضي فيها، وفي ظل ثبات بقية العوامل الأخرى كتحديد نسبة الحد الأقصى للتمويل العقاري عندما لا يتجاوز 70 في المائة إجمالي القيمة السوقية للأصل العقاري، إضافة إلى بدء المصارف المحلية في رفع سعر فائدة الإقراض فيما بينها، الذي يقف في الوقت الراهن عند أعلى مستوى له منذ عام 2009، وقيام الميزانية العامة بتمويل أي عجز فيها عن طريق إصدار سندات التنمية "دون الحاجة إلى السحب من الاحتياطي العام، وهو القرار الاقتصادي الأنسب في الوقت الراهن"، وأخيرا ارتفاع وعي الأفراد تجاه كل تلك التطورات، واقتناعهم بأنها ستؤدي فعليا إلى مزيد من انخفاض الأسعار.

لن يقف أثر الرسوم على الأراضي البيضاء عند مجرد خفض أسعار الأراضي، وتحريرها من سيطرة الاحتكار، والمساهمة في توازن كل من العرض والطلب بأسعار عادلة ومقبولة، بل تتجاوزها لتسهم في خروج الاقتصاد والمجتمع من ضغوط الأزمة العقارية والإسكانية، انتقالا إلى منطقة أكثر استقرارا وبعدا عن تلك الضغوط التضخمية، وعن آثارها السلبية الجسيمة. يجري التركيز هنا على أهم آثارها الإيجابية على أداء الاقتصاد الوطني ومستوى معيشة أفراد المجتمع، بما يؤكد لصانع القرار الأهمية القصوى لإقرار الرسوم على الأراضي بصورة شاملة وحازمة، ودون أي استثناءات مهما كانت مبرراتها.

سبق أن استعرضت في أكثر من مقال جذور هذه الأزمة التنموية، والآثار السلبية التي ترتبت عليها، وكان من أهمها وأكثرها ضررا هو التسبب في ارتفاع تكلفة المعيشة على الأفراد من جانب، ومن جانب آخر التسبب أيضا في ارتفاع تكلفة الإنتاج والتشغيل على القطاع الخاص، وانخفاض درجة تنافسية منشآته في الأسواق الخارجية، عدا امتداد تلك الآثار للحد من قدرة منشآت القطاع الخاص على التوسع، والنجاح في زيادة إسهاماته في القيمة المضافة للاقتصاد "النمو الاقتصادي"، إضافة إلى تقلص قدرته على إيجاد فرص العمل المجدية أمام عشرات الآلاف من الشباب والشابات من المواطنين الباحثين عنها، وتمخض كل تلك المعوقات والتحديات في مجملها عن خفض مستويات التنمية المستدامة لأفراد المجتمع، وزيادة تباين الدخل بين شرائحه الاجتماعية "قلة تتمتع بثراء عال جدا، مقابل أكثرية تعاني محدودية الدخل"، إضافة إلى إضعاف قدرة الاقتصاد الوطني على مستوى تنوع قاعدته الإنتاجية، وإبقائه مستسلما لتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية "نسبة التنوع الإنتاجي أدنى من 12 في المائة"، عدا ضعف قدرة الاقتصاد على إيجاد الوظائف المناسبة، وما يترتب عليه من زيادة معدلات البطالة، وكل هذا في مجمله يضاعف من حجم الأعباء والضغوط على الميزانية العامة للدولة، الذي سيزداد نتيجة لما تقدم من تطورات بالغة التعقيد الاعتماد على الإنفاق الحكومي بصورة أكبر لأجل دعم الاقتصاد، عوضا عما لو أن السياسات الاقتصادية المختلفة نجحت في المضي قدما بالقاعدة الإنتاجية نحو تنوع أكبر، لتقوم هي بدور دعم الأداء الاقتصادي، وهو على العكس تماما مما يجري على أرض الواقع في الوقت الراهن.

يتوقع مع بدء تطبيق فرض الرسوم على الأراضي أن تختلف كثيرا تحركات السيولة المحلية، وباشتراط أن تتم مقابلتها بكثير من المحفزات وخفض الإجراءات البيروقراطية، أن تبدأ تلك الثروات الهائلة جدا بالدخول في تأسيس كثير من المشاريع الإنتاجية والخدماتية العملاقة والمتوسطة الحجم، وهذا هو البديل الاقتصادي الذي تسبب فقدانه أو ضعف وجوده طوال العقود الماضية، في زيادة تركز الثروات والأموال الوطنية على أسواق ضيقة كسوق الأسهم أو المتاجرة في الأراضي، دون أي انعكاسات إيجابية لتدوير تلك الأموال الهائلة الحجم على القيمة المضافة للاقتصاد "النمو الاقتصادي".

 

تباطؤ نمو القروض العقارية لأدنى مستوى تاريخي

 

تباطأ نمو القروض العقارية الممنوحة للأفراد خلال العام المنصرم إلى أدنى مستوى تاريخي، مسجلة نموا سنويا لم يتجاوز 7.1 في المائة، لتستقر عند أدنى من مستوى 109.5 مليار ريال، مقارنة بنموها السنوي خلال العامين الماضيين، الذي بلغ 8.5 في المائة بنهاية 2015، ونحو 34.0 في المائة بنهاية 2014. ويتوقع ألا تسفر أي حلول يجري الترتيب لها، تستهدف زيادة تلك القروض العقارية عن تقدمٍ ملموس في هذا الاتجاه، لعديد من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بشرائح مختلف الأفراد، لعل من أهمها هنا سببان رئيسيان:

السبب الأول: اصطدام فقاعة العقار في الوقت الراهن، بارتفاع القروض المصرفية "استهلاكية، عقارية، وبطاقات ائتمان" إلى أعلى مستوى لها، قياسا على مستويات الأجور السنوية ما قبل الانخفاض الذي طرأ عليها أخيرا، وقياسا على أعداد القادرين من القوى العاملة المؤهلين، الذين تنطبق عليهم الضوابط النظامية للحصول على تلك القروض باختلاف أنواعها، حيث وصل مجموع القروض المصرفية باختلاف أنواعها "استهلاكية، عقارية، وبطاقات ائتمان" حتى نهاية الربع الثالث من عام 2016 إلى نحو 464 مليار ريال.

السبب الثاني: انخفاض وعاء الدخل الذي سيتم احتساب حجم القرض بناء عليه، بعد استبعاد أي بدلات إضافية على الدخل الشهري للمقترض، ويتعلق هذا التحدي بدرجة أكبر بالقروض الجديدة المحتمل نشوؤها، على الرغم من الضعف الكبير الذي يشوبه، نتيجة وصول أعداد المقترضين من المصارف إلى مستويات قياسية، فاقت سقف 3.3 مليون مقترض، أي أعلى من 66 في المائة من إجمالي العمالة السعودية، وسترتفع النسبة هنا إذا ما تم احتسابها فقط على العمالة التي لا تمتلك مساكنها، ويهمها الحصول على التمويل اللازم لأجل تملك أرض أو مسكن، لتقفز أعلى من 94 في المائة.

تقتضي كل هذه الحقائق الرقمية والمثبتة رسميا، وصول جميع الحلول التمويلية الممكنة إلى ما يشبه الطريق المسدود تماما، هذا عدا انخفاض قدرة المصارف والمؤسسات التمويلية على منح مزيد من القروض للأفراد بنفس الوتيرة السابقة، التي اعتادت عليها طوال العقد الماضي، نظرا للظروف الاقتصادية والمالية السائدة في الوقت الراهن، وللانخفاض الملموس الذي طرأ على مستوى السيولة المحلية وحجم الودائع المصرفية.

ينظر إلى خيارات زيادة التمويل وتنويعها في ظل هذه التطورات على أرض الواقع، على أنها أضعف بكثير من أن تحدث فرقا ملموسا على طريق حل أزمة الإسكان، وذلك للضعف الشديد من أن يجد شرائح جديدة من الأفراد يمكنهم الاقتراض لأجل تملك مساكنهم، كون الأغلبية "3.3 مليون مقترض" يتحملون قروضا مصرفية هائلة تناهز 464 مليار ريال، كل هذا ينصب في جانب العجز عن تعزيز ورفع قدرة جانب الطلب، على الرغم من ارتفاعه على الإسكان. فيما يبقى كثير من فرص حل الأزمة الإسكانية إذا ما تم النظر إلى جانب العرض "المتضخم الأسعار"، والمتشبع أيضا بفائض عرض هائل من المساكن الشاغرة فاق عددها 1.5 مليون وحدة سكنية، ويتوقع أن يتزايد خلال العامين المقبلين بأكثر من 1.0 مليون وحدة سكنية جديدة، ليتجاوز إجمالي أعداد المساكن الشاغرة من السكان خلال عامين مقبلين أعلى من 2.5 مليون وحدة سكنية، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية قدرة السوق على بيع جزء بسيط من تلك الوحدات السكنية خلال نفس الفترة المقبلة.

الأداء السنوي المتوقع للسوق العقارية خلال 2017

 

ذكر التقرير الأسبوعي لصحيفة "الاقتصادية" قبل عام من تاريخ اليوم، في سياق الحديث عن توقعات أداء السوق العقارية المحلية لعام 2016، أن السوق تخضع لعديد من العوامل والمتغيرات القوية، وتوقع أن تزداد تأثيراتها خلال العام بصورة أكبر مما أفضت إليه خلال 2015، تبدأ من ضغوط بدء تطبيق نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات، واستمرار تأثير ضغوط انخفاض أسعار النفط، وما سيترتب عليه من تقييد للإنفاق الحكومي بصورة أكثر ترشيدا، وتحت مظلة الإصلاحات الكبرى التي يتم تنفيذها على مستوى الاقتصاد الكلي، وعلى السوق العقارية على وجه الخصوص، وأمام إحجام أغلب أفراد المجتمع عن الشراء بالمستويات السعرية المتضخمة للأصول العقارية، الذي يطغى شعور عام لدى عمومهم بأن الأسعار وفقا لتلك المتغيرات المشار إليها، تتجه إلى مزيد من الانخفاض خلال 2016 وما سيليه من أعوام، ما سيحفز أغلبهم على تأجيل وقت الشراء للاستفادة من تلك الموجة الهابطة لأسعار الأصول العقارية خلال الفترة المقبلة، وبمقارنة هذه التوقعات قبل عام مضى مع ما حدث فعليا خلال العام المنصرم، سنجد تطابقا كبيرا جدا بين المتوقع وما جرى على أرض الواقع.

الآن نأتي إلى توقعات العام المقبل 2017، الذي يحمل استمرار تأثير ذات العوامل الهيكلية "رسوم الأراضي البيضاء، زيادة المساكن الشاغرة المعروضة للبيع" والاقتصادية والمالية ("تباطؤ النمو الاقتصادي الكلي، ترشيد الإنفاق الحكومي، تباطؤ نمو السيولة المحلية، ارتفاع معدل الفائدة على الريال، زيادة تطور سوق السندات والصكوك، تباطؤ نمو الإقراض العقاري "تشبع الإقراض")، إلا أن تلك العوامل ستأتي وطأتها خلال العام المقبل أكبر بكثير مما سبق، وستؤدي إلى زيادة الضغوط بصورة أكبر على أداء السوق العقارية المحلية، ستدفع بها إلى مزيد من انخفاض الأسعار السوقية للأصول العقارية على اختلاف أنواعها.

يكمن أكبر اختلاف في أحوال السوق العقارية بدءا من المرحلة الراهنة ومستقبلا، مقارنة بما كانت عليه طوال الأعوام الماضية، في عديد من المحاور الرئيسة، التي من أهمها وأبرزها ما يلي:

1) انتهاء عهد امتلاك الأراضي لمجرد اكتناز الأموال والثروات فيها، بعد أن أصبحت خاضعة للرسوم عليها، بمعنى أنها أصبحت تتحمل أعباء تكلفة على عكس الماضي.

2) الضعف الكبير لعمليات المضاربة والمتاجرة على المساحات المحدودة من الأراضي المتاحة للتداول، التي كانت تنشط سابقا على ثقة كبيرة بارتفاع أسعارها مستقبلا، وجني المكاسب المضاعفة من وراء تلك العمليات.

3) تطور وتعدد بدائل الاستثمار الأخرى محليا، وزيادة الإقبال عليها، التي كانت سابقا أضعف بكثير من أن تنافس مجرد شراء أراض وانتظار ارتفاع أسعارها مستقبلا دون أي تكلفة، بمعنى أن المحفزات الأكبر في الوقت الراهن أصبحت تميل إلى كفة الإنتاج والتشغيل، مقارنة بالأنماط السابقة للاستثمار أو المضاربة، التي زادت من تدفقات الأموال على الأراضي، دون أي قيم مضافة تتحقق للاقتصاد الوطني.

4) حتى مع عودة الاستقرار للأسعار العالمية للنفط، وتخفيف الضغوط على المالية الحكومية ومستويات السيولة المحلية، لن يؤدي ذلك إلى عودة الأموال للاستثمار أو المضاربة على الأراضي، نتيجة الاختلاف الجذري للوضع الراهن للسوق العقارية "الرسوم على الأراضي" عن السابق، فسيد الموقف الآن في السوق العقارية، وعامل التفوق والبقاء أصبح محصورا في جانب التطوير والإحياء والتشييد، والتنافس على تقديم أفضل المنتجات العقارية بأفضل الأسعار التنافسية.

5) ارتفاع درجات الانضباط التمويلي، وأخذها بعين الاعتبار لمعدلات المخاطرة أكثر من السابق، وهو الأمر الإيجابي جدا الذي سيحمي السوق والمجتمع من عودة الارتفاع غير المبرر في الأسعار السوقية للأصول العقارية.

ستصطدم السوق العقارية خلال الربع الأول من العام الجديد بصدور أول فواتير للرسوم على الأراضي البيضاء الخام ذات المساحات عشرة آلاف متر مربع فأكثر، في كل من الرياض وجدة والدمام، وهو الواقع الذي سيواجه السوق العقارية لأول مرة في تاريخها، وقبل أن تستوعب السوق الصدمة القوية لهذا التطور الإيجابي، سيتم الإعلان عن مدن جديدة أخرى لتنضم إلى المدن الثلاث السابقة تحت مقصلة نظام الرسوم على الأراضي، كل هذا سيفاقم حالة الاندفاع لدى ملاك الأراضي البيضاء "مطورة، وغير مطورة" نحو إحيائها وتخطيطها وتطويرها أو بيعها، والخضوع لأسعار السوق وقتها قبل أن تتراجع بنسبة أكبر مستقبلا.

يحمل دخول الملاك في سباق محموم طوال الفترة المقبلة عنوانا رئيسا "التدافع على البيع"، يكون عنصره الفارق المنافسة على زيادة اجتذاب المشترين بأدنى الأسعار مقارنة بغيرها، في إشارة صريحة إلى انتهاء الفكرة السائدة سابقا لدى ملاك الأراضي والعقارات ـــ حال عدم وجود قوة شرائية كافية ـــ أنهم غير مضطرين إلى البيع، تحقق كل ذلك لثلاثة أسباب رئيسة:

1) أنه مع مرور الوقت مستقبلا، ستتسع دائرة تطبيق الرسوم على الأراضي، ما يعني بالضرورة تحمل الملاك تكلفة باهظة الثمن لقاء الاحتفاظ بها، عوضا عن انخفاض أسعارها كخسارة إضافية.

2) أن تدافع الملاك نحو البيع سيؤدي إلى مزيد من انخفاض الأسعار الراهنة، ويعني ذلك خسارة محققة للثروات المحتفظ بها لدى بقية الملاك الذين لم يقوموا بالبيع أو التطوير.

3) أن الإصلاحات الهيكلية الراهنة للاقتصاد الوطني، التي من أهم أهدافها الدفع نحو الاستثمار في الإنتاج والتشغيل لا في الاكتناز واحتكار الأراضي، وتطور سوق الدين المحلي "السندات، والصكوك"، سيحد كثيرا من توجه السيولة نحو شراء الأراضي واكتنازها، عدا تحملها رسوما مكلفة، ما سينزع عنها كونها وعاء لتخزين الثروة حتى مع احتمال عودة أسعار النفط إلى الارتفاع.

الأمر سيكون بالغ الصعوبة على ثقة كثير من ملاك الأراضي والعقارات، كونه سيتزامن مع معطيات اقتصادية ومالية واجتماعية لا مجال للهرب منها، ذلك أن القوة الشرائية لدى كثير من الأفراد أصبحت أدنى مما سبق بنسبة كبيرة، وتتأهب لمواجهة أعباء معيشية تختلف كثيرا عن السابق "ارتفاع فواتير استهلاك الكهرباء، البنزين... إلخ"، إضافة إلى تحملهم أعباء سداد أقساط قروض المصرفية باختلاف أنواعها "استهلاكية، عقارية، وبطاقات ائتمان"، ناهز حجمها نحو 464 مليار ريال وفقا لأحدث بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي.

شهد الجميع طوال أكثر من عام مضى، كيف انعكست المتغيرات الاقتصادية والمالية والهيكلية سلبا على الأسعار المتضخمة، وكيف أنها تنازلت عن وتيرة الصعود غير المبرر، والآن مع استدامة تلك المتغيرات وتصاعد قوة تأثيرها، ودخول نظام الرسوم على الأراضي مرحلة التطبيق الفعلي، أصبح الجميع حتما أمام مرحلة أقوى وأكثر حسما، خاصة بعد القضاء فعليا على المقولة العقارية التي سادت عقودا من الزمن "الأراضي لا تأكل ولا تشرب"، لتتحول إلى أصل مكلف جدا على ملاكها إذا لم يتم تطويرها وإحياؤها، سيدفعهم بالجملة إلى التدافع نحو تطويرها أو بيعها، والضغط بصورة أكبر على الأسعار السوقية المتضخمة، الذي سيدفع بدوره حتى بقية ملاك الأراضي والعقارات الذين لا تشملهم الرسوم على الأراضي إلى انتهاج السلوك نفسه "التطوير أو البيع"، هربا من انخفاض أسعارها السوقية التي وصلت إليها، ومحاولة اقتناص ما يمكن اقتناصه قدر الإمكان!

ختاما؛ يمكن القول إن السوق العقارية ستكون في مواجهة اندفاع أكبر مما شهدته طوال العامين الماضيين، سواء نحو التطوير أو نحو البيع والقبول مرغمة تنافسيا بالأسعار الأدنى سوقيا، ستقابلها قوى طلب ضعيفة جدا، سواء من حيث مستوى الدخل، أو من حيث القدرة الائتمانية. ستجد السوق العقارية متنفسا أكبر للخروج من ركودها الراهن، مع كل مستوى جديد متدني الأسعار، بمعنى أن قوى العرض كلما خفضت في مستويات الأسعار "كشرط للمنافسة السوقية، عكس ما كان عليه سابقا مجرد "خيار" قابل للرفض أكثر من القبول"، اجتذبت قوى طلب جديدة! وهو ما يجب أن تستقر فكرته في ذهن كل باحث عن تملك أرض أو مسكن، أن الأمور تسير اليوم في مصلحته على العكس تماما من السابق، وأن عليه توظيف هذه المعطيات عن ثقة تامة في مصلحة قدرته التفاوضية حال الشراء.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من مؤشر الاقتصادية العقاري