FINANCIAL TIMES

لحوم مستنبتة في المختبرات .. هل تستطيع «ابتلاع» الفكرة؟

التقيت هذا الشهر بجوشوا مارش، رائد أعمال بريطاني شاب يحلم بتغيير فكرتنا عن "اللحوم". تحديدا، يعمل مع جيس كريجر عالمة الكيمياء الحيوية، لاستنبات لحوم الحيوانات في مختبرات بغرض الاستهلاك العام.
نعم، ما قرأته صحيح. منذ زمن سحيق، ظلت فكرة البشر عن "اللحوم" أنها شيء طبيعي؛ حيوان يركض قبل قتله وطهيه. لكن كريجر أمضت السنوات الست الماضية في العمل على استنبات قطع من اللحم في أحد المختبرات في جامعة كنت ستيت، ولاية أوهايو.
الآن كريجر ومارش أنشآ شركة ناشئة، "أرتميس فودز"Artemys Foods ، لإنتاج سلعتهما بكميات تجارية. "نحن في مهمة لتمكين البشرية من تناول الطعام بشكل مستدام"، أخبرني مارش على إفطار من الخبز المحمص والأفوكادو واللحم المقدد المعد على الطريقة القديمة في نيويورك.
"نعتقد أن الحل الوحيد لتغيير طريقة تناول أغلبية الناس للحوم هي أن نكون قادرين على إعطائهم لحوما حقيقية - دون العواقب السلبية الناجمة عن تربية الحيوانات الفعلية، سواء كان ذلك ما يؤثر في البيئة أو حياة الحيوان".
أضافت كريجر: "اللحوم نباتية المصدر قطعت بعض المسافة على الطريق (لإزالة اللحوم من النظام الغذائي) لكنها لن تستطيع أبدا محاكاة التجربة الحسية لأكل قطعة كبيرة من اللحم. (هذه التكنولوجيا) تنتج ذلك مع القيمة الغذائية نفسها أو أفضل منها. في نهاية المطاف سينظر إلى تناول لحوم الحيوانات الفعلية على أنها ممارسة قديمة لا تقدم عليها إلا أقلية".
شركة أرتميس ليست الأولى التي تخوض تجربة اللحوم المستنبتة. في 2013 تم خلال مؤتمر صحافي في لندن أكل أول برجر في العالم تم استنباته من خلايا بقرة في مختبر على يد عالم في جامعة ماستريخت.
الشركة التي أُنشئت عقب ذلك المشروع "موسا ميت" Mosa Meat حصلت أخيرا على استثمار من أحد صناديق رأس المال المغامر الأمريكية للمساعدة على طرح المنتج في السوق.
السؤال بالنسبة لجميع رواد الأعمال في هذا المجال هو ما إذا كان بإمكان المستهلكين ابتلاع الفكرة. عندما سمعت في البداية عن اللحوم المصنعة في المختبرات، كان أول ما طرأ على بالي أنها "مقززة". فكرة "زراعة" شريحة لحم أو ساق دجاج في أنبوب اختبار تبدو وكأنها مشهد من فيلم خيال علمي، وليست طعاما عصريا. لكن، بعد التفكر، أدركت أن ردة فعلي كانت غريبة إلى حد ما، أو على الأقل غير متسقة.
يستهلك كثير منا بالفعل أطعمة فائقة المعالجة، أو معدلة ويمكن اعتبارها "غير طبيعية"، مثل حساء العبوات، أو منتجات اللحوم المعاد تصنيعها، أو الحلويات مثل العلكة الفقاعية. إذا نظرت إلى تغير مواقفنا تجاه الأطعمة، فمن الواضح أنها متأصلة في الثقافة أكثر من الطبيعة.
قبل نصف قرن، كان من المنطقي تسخير العلم بقدر الإمكان في الأطعمة. خلال الخمسينيات من القرن الماضي، اعتبر بعضهم أن الخبز الأبيض والأطعمة المصنعة الأخرى أفضل من الأطعمة غير المعدلة.
بعد ذلك، كانت الوجبات الجاهزة المجمدة تعتبر متطورة. في الواقع، عندما ابتكر العلماء محاصيل معدلة وراثيا رحب كثيرون بالفكرة على أنها "ثورة خضراء" عبقرية، لأنها وعدت بزيادة المحاصيل الزراعية.
لكن بعد ذلك جاءت ردود فعل سلبية. منذ مطلع القرن الحالي نما توجه للأطعمة العضوية الطبيعية أكثر، مع احتجاجات المستهلكين في أوروبا ضد الأطعمة المعدلة وراثيا. في الآونة الأخيرة شاع نظام الغذاء النباتي، ليس فقط بسبب المخاوف المتعلقة بالصحة وحياة الحيوان، ولكن أيضا لأن العلماء لاحظوا مساهمة الثروة الحيوانية في انبعاثات الكربون العالمية.
شركات مثل "بيوند ميت" Beyond Meat و"إمبوسبل فودز" Impossible Foods طورت بدائل نباتية تلقى قبولا واسعا. في الواقع هذا التوجه قوي لدرجة أن شركات اللحوم التقليدية، مثل "تايسون فودز" تشارك فيه.
انعقد الأسبوع الماضي في دافوس المنتدى الاقتصادي العالمي الذي (كان ينبض بالحديث عن الشركات الناشئة المنتجة للأطعمة نباتية المصدر) أخبر المنظمون خلاله خدمات التموين المحلية أن "عليها تقديم البروتين في حصص مناسبة" من 120 جراما إلى 140 جراما. خصص يوم واحد من المؤتمر ليكون خاليا من اللحوم تماما.
من المفارقات أنه عندما تصبح البدائل النباتية للحوم عصرية، فإنها يمكن أن تجعل الطعام أقل "طبيعية" وأقل "عضوية". مثلا، يستخدم في "برجر" "إمبوسبل فودز" الخالي من اللحم، عمليات كيماوية معقدة تتضمن الخميرة لمحاكاة الجزيئات الموجودة في اللحوم.
ما هو غريب - إن لم يكن متناقضا - أن المبيعات الساحقة لهذه المنتجات الشبيهة باللحوم تعزز بطريقة أو بأخرى فكرة أن استهلاك "اللحوم"، أو نسخة تحاكيها، أمر لا مفر منه للبشر. وهذا، بالطبع، شيء أنشئ الحراك النباتي لمعارضته.
بالنظر إلى كل هذا، لم أعد أعتقد أن زراعة اللحوم "الحقيقية" في المختبر أمر غريب. من المسلم به أنه لن يكون من السهل على بعض المستهلكين قبوله، خصوصا إذا قضوا العقد الماضي في شراء منتجات عضوية. "لا تزال أقلية ملحوظة من الناس في الغرب تشعر بالقلق إزاء (الأغذية المعدلة وراثيا)" حسبما اعترفت كريجر.
مع ذلك، كما يشير، فإن المواقف تتغير. "لدينا الآن جيل من المستهلكين الذين نشأوا مع التكنولوجيا التي تغرس في جميع مجالات حياتهم. الأجيال الشابة خاصة تشعر بالقلق إزاء كيفية مساهمة الأطعمة التي يتناولونها في تغير المناخ".
بالطبع، لا أحد يعرف ما إذا كان بإمكان "أرتميس" فعليا تسويق هذه الأفكار الجريئة - أو متابعة عديد من الشركات الناشئة الأخرى التي تتطلع إلى ركوب هذه الموجة "الخضراء".
النقطة الأساسية هي: بالنظر إلى أن مواقفنا تجاه الطعام قد تقلبت بالفعل في نصف القرن الماضي، لا يوجد سبب للاعتقاد بأنها لن تتغير بشكل كبير مرة أخرى. ما يبدو غريبا تماما في يوم من الأيام سيصبح طبيعيا لدرجة أننا لا نلاحظ أبدا كيف تغيرت افتراضاتنا الثقافية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES