البطالة العالمية والقدرة الشرائية

|

حذر تقرير جديد لمنظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة، بعنوان "مستقبل التوظيف في العالم والمجتمع" من ظاهرة عدم المساواة؛ بعبارة قاسية جدا، "الوضع أسوأ مما كنا نعتقده في السابق"، في الدخول أو في الوصول إلى الوظائف وأن العوائق نحو العمل والمساواة في الأجر تتنامى بشأن الجنس والعمر والموقع الجغرافي، وعدم المساواة في الأجور يأتي بين من هم في أعلى الهرم الإداري حيث يحصلون على أعلى الأجور وأولئك الذين هم في أسفل السلم. يؤكد التقرير أن هناك اليوم أكثر من 470 مليون شخص حول العالم عاطلين عن العمل، أو في حالة بطالة مقنعة، ومن المدهش أن يرافق التقرير تعليقات تؤكد أن معدل البطالة عالميا بقي مستقرا نسبيا على مدى معظم العقد الماضي، وتذهب الاستنتاجات إلى أن مشكلة البطالة هذه قادت أو ستقود إلى مشكلات الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في بعض الدول.
لا شك أن البطالة مشكلة مؤرقة لأي مجتمع، لكن اللافت أن معدلات البطالة ظلت مستقرة في العالم رغم التقلبات الهائلة التي عمت العالم، فقد شهد العالم كثيرا من المشكلات الاقتصادية، بدءا من الأزمة المالية العالمية، ورغم أن الاضطرابات السياسية الحادة ألقت بظلالها على عدد من دول الشرق الأوسط ولا تزال كذلك، وهي، التغريب، الهجرة، وتنامي أعداد اللاجئين، فالعدد المتزايد من العمال الذين أخرجوا قسرا من أعمالهم، كان متوقعا أن يرفع معدلات البطالة العالمية، لكن يبدو أن التوازن في العدد الكلي وجد ضالته في النمو القوي لاقتصادات بعض الدول. واستقرار مستويات البطالة العالمية عند هذا المستوى لا يعد مؤشرا جيدا، بقدر ما أن التدهور في دولة ما، كان يعوضه الدخل الكبير للعمل في دولة أخرى، وفي المقابل فإن مقاييس البطالة على نحو فردي أو في مجموعات قد تظهر أرقاما مؤلمة، إذا تمت مقارنتها بعدد السكان، ولذا فإنه على الرغم من استقرار أرقام البطالة على مستوى العالم؛ فقد استمر التقرير في تحذيره من أنها قد تقود إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية، إذ إن تركز هذه البطالة في مناطق معينة هو الخطر المحدق عالميا.
ومن المهم عند قراءة مثل هذا التقرير، أن تكون هناك صعوبة في تفسير الاضطرابات التي تشهدها دول صناعية مثل، فرنسا أو هونج كونج، لكن التفسير الواضح لهذه الاضطرابات تعلقها باتساع فجوات الأجور التي أشار إليها التقرير بين من هم في أعلى السلك الوظيفي ومن هم في أدناه، ومع هذا فإن القلق لا يزال موجودا بشأن التأثير السلبي لدخول الذكاء الاصطناعي لهذه الدول، الذي قد يتسبب في خلل أكثر عمقا بشأن نوعية الأعمال التي تستحق أجرا أعلى من غيرها، على أساس أن التعامل باقتدار مع هذا الذكاء مبرر كاف ومقنع بشأن الأجور، لكن الاضطرابات التي تظهر بين فينة وأخرى تشير إلى أن العمال غير مقتنعين بهذه التبريرات، فقد أشار التقرير إلى أن أكثر من 60 في المائة من القوة العاملة في العالم تعمل حاليا في الاقتصاد غير المنظم مقابل أجور متدنية ودون الحصول على حماية اجتماعية أساسية، وفي 2019 اندرج أكثر من 630 مليون شخص - خمس السكان العاملين في العالم - ضمن ما يعرف بالعمال الفقراء، ما يعني أنهم حققوا أقل من 3.20 دولار في اليوم من القدرة الشرائية.

إنشرها