مواجهة تباطؤ النشاط العالمي

|

مواجهة تباطؤ النشاط العالمي ستضع مهارات الجيل الجديد من القادة في إفريقيا على المحك. لكن من المرجح أن تختلف آثارها اختلافا واسعا، فقد تكون الدول صاحبة أكثر قواعد التصدير تنوعا هي الأقل تأثرا، بينما تشتد المعاناة في الدول ذات قواعد التصدير الضيقة والحوكمة الضعيفة. ومواصلة التقدم على المدى البعيد خلال هذه الفترة التي تكتنفها التحديات تدعو إلى العمل في أربعة مجالات.
أولا وقبل كل شيء، الإدارة الاقتصادية الكلية الماهرة. فاتساع معدلات العجز التجاري يفرض ضغوطا على الاحتياطيات بالنقد الأجنبي والعملات، ما يدعو صناع السياسات إلى محاولة انتهاج أساليب اصطناعية للحفاظ على استقرار أسعار الصرف. وقد بدأ ظهور أسعار الصرف الموازية في عدة دول. لكن في ظل توقعات استمرار الانخفاض في أسعار السلع الأولية، فمن المحتمل أن يؤدي الدفاع عن أسعار الصرف الثابتة إلى إجراء عمليات تصحيح ربما كانت أكبر وأصعب لاحقا. وبقدر ما كانت الصعوبة التي ستواجه الدول، يجب عليها أن تسمح بانخفاض أسعار صرف عملاتها لتشجيع التصدير، والإثناء عن الاستيراد، والحفاظ على الاحتياطيات. وفي الوقت نفسه، فإن معدلات عجز الموازنة آخذة في الاتساع، وفي ظل محدودية الخيارات المتاحة للاقتراض، فإن سد هذه الفجوات يقتضي الاختيار بين بدائل صعبة. وهناك مسألة أساسية هي القدرة على تعبئة الموارد المحلية وزيادة الإيرادات الضريبية، ما يسمح للدول بالسيطرة على العجز بينما تمول الاستثمارات ذات الأهمية البالغة في الطرق والكهرباء والمدارس والعيادات الطبية. وينطوي ذلك على مبالغ طائلة: فكل ارتفاع مقداره نقطة مئوية واحدة في الإيرادات كنسبة من إجمالي الناتج المحلي في إفريقيا جنوب الصحراء ككل يسهم في تعبئة 17 مليار دولار إضافية في العام. وربما كان من المنطقي زيادة الإيرادات المحلية عن طريق الاقتراض في بعض الدول، خاصة من أجل مشاريع البنية التحتية ذات الأولوية. لكن عبء المديونية آخذ في التسارع، وأسعار الفائدة آخذة في الارتفاع، وفروق العائد على إصدارات السندات السيادية في إفريقيا تتصاعد بسرعة، ما يكبح زيادة الاقتراض.
ثانيا، يجب أن تتحرك الدول بقوة لتنويع اقتصاداتها بعيدا عن الاعتماد على تصدير السلع الأولية. ويجب أن توفر الحكومات بيئات مؤاتية بقدر أكبر لاستثمار القطاع الخاص في عمليات التجهيز المتمم للإنتاج الزراعي، والصناعة التحويلية، والخدمات "مثل إدخال البيانات"، الأمر الذي يمكن أن يساعد على التوسع في توفير فرص العمل، وتعجيل وتيرة النمو على المدى البعيد، والحد من الفقر، وتخفيف مخاطر التعرض لتقلب الأسعار إلى أدنى حد. وتتسم آثار صدمات أسعار السلع الأولية الحالية بأنها كبيرة للغاية وذلك تحديدا لأن الدول لم تتجه إلى تنويع أنشطتها الاقتصادية. وتختلف الخطوات الدقيقة من بلد إلى آخر، لكنها تبدأ بزيادة الإنتاج الزراعي، وتوفير مزيد من خدمات الإرشاد الفاعلة، فتعبيد طرق أفضل بين المزارع والأسواق، وضمان تطبيق سياسات للأسعار والتعريفات لا يضر بالمزارعين، والاستثمار في أنواع جديدة مختلفة من البذور والسماد. وتكتسب الاستثمارات في الكهرباء والطرق والمياه أهمية بالغة. وكما يحدث في شرق آسيا، ينبغي أن تنسق الحكومات معا الاستثمارات العامة في البنية التحتية للممرات والحدائق والمناطق القريبة من المراكز السكانية كي تنتفع الشركات من زيادة إمكانات توصيل الكهرباء، وانخفاض تكاليف النقل، وتجمعات العمال القريبة، وذلك من شأنه أن يخفض تكاليف الإنتاج بشكل كبير. وسيقتضي تمويل هذه الاستثمارات توافر المهارة في الجمع بين مزيج الاقتراض بحذر وارتفاع الإيرادات المحلية. وفي الوقت نفسه، لا تزال التكاليف الأساسية لمزاولة الأعمال مرتفعة في كثير من الدول. ولمساعدة الشركات على المنافسة يجب أن تقوم الحكومات بتخفيض معدلات التعريفة الجمركية، ووضع حد للبيروقراطية، وإلغاء القواعد التنظيمية التي تثبط نمو الأعمال دونما داع. وحان الوقت الآن لخفض تكاليف الأعمال ومساعدة الشركات على التنافس محليا وإقليميا وعالميا.
ثالثا، طفرة التقدم في إفريقيا لا يمكن أن تستمر دون نظم قوية للتعليم والرعاية الصحية. وتأتي زيادة معدلات الالتحاق بالمدارس وإكمال التعليم، خاصة للفتيات، خطوات أولى جيدة. لكن مستوى جودة التعليم في المدارس يتأثر سلبا بالمناهج القديمة وعدم وجود منشآت كافية، وضعف تدريب المعلمين، وعدم كفاية الرقابة المحلية، وتغيب المعلمين، وتدني رواتبهم. ويجب بذل مزيد من الجهود في الأعوام المقبلة من أجل رفع مستوى الجودة بشكل جذري لتزويد الطلاب، خاصة الفتيات، بالمهارات التي يحتاجون إليها للانضمام إلى صفوف العمالة المنتجة. وبالمثل، لا تزال نظم الرعاية الصحية ضعيفة، وتفتقر إلى التمويل، ومثقلة بالأعباء، كما تبين بوضوح شديد أثناء فترة تفشي مرض فيروس إيبولا أخيرا، ويتعين بذل جهود كبيرة لتحسين إمكانات الوصول إلى المنشآت الصحية، وتدريب من يقدمون الخدمات، وتعزيز سبل تقديم الخدمات الصحية الأساسية، وتقوية النظم الصحية على نطاق أوسع.
رابعا، مواصلة التقدم على المدى الطويل يقتضي بناء مؤسسات الحوكمة الرشيدة وتعميق الديمقراطية. وقد شهد العقدان الماضيان تحولا ملموسا بعيدا عن الحكم الفردي، لكن هذا التحول لم يكتمل بعد.

إنشرها