أخبار اقتصادية- عالمية

ناطحات السحاب الصينية تحول آسيا إلى مركز عالمي للمباني الشاهقة

عندما نتحدث عن ناطحات السحاب، فإن الصورة النمطية، التي تبرز في التفكير، هي تلك المباني الشاهقة العملاقة، التي توجد في الولايات المتحدة في مدن كبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس ولاس فيجاس وكاليفورنيا وتكساس، وتتسع حدود الصورة فتضم عواصم غربية مثل لندن وباريس وفرانكفورت وروما.
لكن يصعب أن تحتل الصين مركز الصورة المتخيلة عن ناطحات السحاب، ربما قد تعجب بتصميم إحدى ناطحات السحاب في بكين أو شنغهاي، لكن يصعب الربط بين ناطحات السحاب تلك والصين.
ولأن الاقتصاد علم الأرقام أولا وأخيرا، فمن المفيد أن نستعرض ما تقوله الأرقام في هذا المضمار، ففي العام الماضي تم بناء 126 ناطحة سحاب، يتجاوز ارتفاعها 200 متر في جميع أنحاء العالم، وهذا الرقم يمثل انخفاضا 12.7 في المائة عما شيد في 2018.
ومع هذا، فإن 2019 تميز بتشييد 26 ناطحة سحاب يفوق ارتفاعها 300 متر أو أكثر، وهذا الرقم أكبر من أي عام مضى.
المفاجأة، أن الصين تحتل موقع الصدارة في طفرة بناء ناطحات السحاب منذ أعوام، ففي 2019 بلغ عدد ناطحات السحاب الجديدة في الصين بمفردها 56 مبنى. وفي أواخر العام الماضي كان لدى الصين 15 ناطحة سحاب ضمن أطول 26 ناطحة سحاب في العالم، وفي هذا العام سيكون لديها 16 ناطحة سحاب بين أطول 30 مبنى في العالم.
في دوري ناطحات السحاب تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية، حيث شيدت العام الماضي 14 ناطحة سحاب، أما الإمارات فتحتل المرتبة الثالثة برصيد ست ناطحات سحاب.
وبفضل الطموح الصيني في بناء ناطحات السحاب، باتت آسيا مركزا عالميا لبناء هذه النوعية من المباني الشاهقة، حيث تمثل 69 في المائة من إجمالي عمليات البناء، وفي مدينة شنتشن الصينية شيد في 2019، ما يعادل 15 ناطحة سحاب، أي أكثر من إجمالي ما شيد في الولايات المتحدة.
لكن السؤال، الذي يطرح نفسه، هو لماذا هذا الازدهار الصيني في بناء ناطحات السحاب؟ هل نحن أمام ظاهرة أصيلة في المنظومة العقارية الصينية، أم أنها فقاعة عقارية قابلة للانفجار في أي لحظة؟
يعتقد المهندس رديجريف بليثين، مدير القسم الدولي في مجموعة "كير" المعمارية أن الصينيين بات لديهم "هوس" بما يسميه المباني شاهقة الارتفاع عامة وناطحات السحاب بصفة خاصة.
ويضيف لـ"الاقتصادية"، أنه: "عندما بدأنا نشاطنا في الصين قبل 15 عاما، كان هناك بالكاد مبان مرتفعة، والآن يوجد بها عشرات من أطول المباني في العالم".
ويستدرك بليثين قائلا، إن هذا "الاتجاه المعماري يحركه مجموعة من العوامل المختلفة، أبرزها الطفرة الاقتصادية الضخمة، التي شهدتها الصين، والتي ترافقت مع عملية "تحضير" في المدن الصينية، وتحول عديد من البلدات إلى مدن حضارية ضخمة، وهذا الأمر تطلب في جزء كبير منه تحسين الصورة الوطنية تجاه المعمار الحديث، وإضفاء طابع عصري على الهندسة المعمارية للدولة، فخلال الفترة من 1990- 2016 ارتفعت نسبة التحضر في المدن الصينية من 21 إلى 57 في المائة، وتهدف السلطات الصينية إلى أن يكون 60 في المائة من السكان يعيشون في مناطق حضرية بنهاية هذا العام، وبناء ناطحات سحاب شاهقة علامة لا تخطئها العين لعرض نتائج التحضر".
واعتبر بليثين أن نمو طبقات ثرية في الصين، صنع طلبا فعالا على الإقامة في ناطحات السحاب، إذ يرتبط قاطنو تلك البنايات الشاهقة بمكانة اجتماعية خاصة ومميزة، فكما أن ناطحات السحاب ترمز للنجاح الاقتصادي للمدينة، فإنها ترمز للثراء المالي لقاطنيها.
ويبدو ذلك صحيحا بشكل واضح، من أن كثيرا من الناس حول العالم تعرفوا على المدن الصينية، التي لم تكن معروفة من قبل، بسبب بناء ناطحات سحاب عصرية ومميزة فيها، وهو ما يصنع أرضية أولية لجذب الاستثمارات الخارجية.
لكن الدكتور لين لانجريش أستاذ الهندسة المدنية في جامعة ليدز، يعتقد أنه بقدر وقوف الدولة الصينية وراء تبني هذا النمط المعماري، فإن شركات الهندسة الصينية العملاقة تدفع أيضا في هذا الاتجاه.
ويوضح لـ"الاقتصادية"، أن "تلك الكثافة الشديدة من تشييد ناطحات السحاب في الصين، تعود إلى رغبة الشركات الصينية في أن تبعث برسالة عالمية بشأن قدرتها في تشييد هذا الكم من ناطحات السحاب المميزة، إذ يكون ذلك دليلا عمليا على قدرتها الهندسية في مواجهة التحديات التقنية وابتكارها حلولا مميزة وفريدة، ما يعزز مكانتها في الأسواق الدولية، في ظل سوق يتميز بالمنافسة الشديدة بين الشركات الهندسية الكبرى في العالم".
ومع هذا، فإن بريق ناطحات السحاب الصينية لا يغري الجميع، إذ يعتقد بعضهم أن الأمر يتطلب وقفه لحساب التكلفة والعائد من هذا النمط المعماري، ومدى ملاءمته لاحتياجات الصين الاقتصادية.
وتقول لـ"الاقتصادية"، الدكتورة ماري جين هايد أستاذة الاقتصاد الصيني في جامعة شنغهاي والأستاذة الزائرة في مدرسة لندن للاقتصاد، إن عديدا من الاقتصاديين في الصين يتساءلون حول جدوى هذا العدد الكبير من ناطحات السحاب، خاصة أن عديدا من المؤشرات تشير إلى أن كثيرا منها خالية.
وتضيف ماري: "نظرا إلى أن ناطحات السحاب مخصصة للاستخدام المكتبي في الغالب، وتتضمن عددا محدودا من وحدات السكن، فإن السؤال: هل يحتاج ثاني أكبر اقتصاد عالمي إلى كثير من تلك المباني، وهل هي مبنية في الأماكن المناسبة؟".
ترى ماري أن بعض ناطحات السحاب في الصين تم تشييدها دون خطة تسويقية صارمة، بسبب المشاركة الكثيفة من قبل الحكومات المحلية والشركات الوطنية المملوكة للدولة، والمشكلة أكثر خطورة في المدن الأقل تطورا، حيث يرتبط في ذهن المسؤولين أن التطور يعني بناء مزيد من ناطحات السحاب الشاهقة، وينتهي بهم المطاف إلى عدم وجود مستأجرين يتمتعون بقدرة مالية على الإقامة في ناطحات السحاب.
ويعتقد بعض الخبراء في المجال الهندسي أن هناك هدرا في هذا النمط من البناء في دولة كالصين، وأن طفرة البناء الراهنة تشهد انفصالا بين العرض والطلب، ما يصنع فقاعة عقارية تبرز بشكل واضح في ناطحات السحاب الفارغة.
ومع هذا، فإن مواصلة الصين بناء ناطحات السحاب لا ينفي أن ملامح قلق بدأت تظهر لدى بعض المسؤولين، فبعض المباني الشاهقة خالية، وتم إهمالها مع مرور الوقت، وهو ما يمكن أن يحول ناطحات السحاب إلى رمز لسوء التخطيط وعلامة على الفشل وليس النجاح، بل إن مجموعة جرينلاند الهندسية العملاقة المملوكة للدولة في الصين، التي تقوم بتطوير عدد من الأبراج الضخمة، قد توقفت عن استكمالها في ظل تحديات فنية تتعلق بالوقاية من الحرائق في الأدوار العليا.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية