هيمنة الدولار مستمرة

|

ينظر مسؤولو الاقتصاد في أوروبا نظرة فاحصة إلى وضعية الدولار الأمريكي على الساحة العالمية. ونقول فاحصة، لأنها مرتبطة تقريبا بكل شيء، ولا سيما الحراك التجاري الذي يعد العصب الرئيس للاقتصادات كلها المتقدمة والناشئة. والدولار الأمريكي "العالمي" إن جاز الوصف، مادة دائمة للبحث والدراسة في كل الدول المعنية بهذه العملة - ببساطة كل دول العالم التي تعتمد على العملة الأمريكية في تعاملاتها - بعد محاولات عديدة جرت هنا وهناك للتخلي عن الدولار، واللجوء لسلة عملات، أو استبداله بعملة قوية أخرى مثل اليورو والجنيه الاسترليني. صحيح أن عملات رئيسة حققت حضورا كبيرا في العقود الماضية على الساحة الاقتصادية العالمية، لكن الصحيح أيضا أن الدولار ظل المهيمن على هذه الساحة، وبقي في دائرة الاستقطاب ضمن الحراك التجاري الدولي، واستمر حاضرا في أغلب القطاعات التي تشكل الاقتصادات بشكل عام.
لكن هناك جوانب سلبية من سيطرة الدولار الأمريكي على الساحة المالية العالمية، وهناك عقبات "بعضها متجدد" حيال تغيير النمط المالي في التجارة العالمية من عملة إلى أخرى أو إلى سلة عملات. يرى "على سبيل المثال" "بنك التسويات الدولية"، أن هناك أدلة متزايدة تشير إلى أن الهيمنة الساحقة للدولار في المعاملات التجارية عبر الحدود، توجد فيها نقاط ضعف غير مدركة للاقتصاد الحقيقي وتعقيدات السياسة. وتتفق مؤسسات أوروبية وأمريكية مع هذا الاستنتاج، ما أبقى موضوع "الدولار المهيمن" حاضرا في كل المناسبات والمتغيرات التجارية وغيرها. وتعترف جهات دولية مختلفة بأنها ارتكبت أخطاء في تقدير هيمنة الدولار. فهذا الأخير يهيمن بالفعل بصورة أكبر مما يعتقد، وسيواصل هيمنته في المستقبل دون وجود إشارات إلى عكس ذلك.
هناك قاعدة يعرفها الجميع، وهي أن نمو التجارة العالمية يرتبط عكسيا بالقوة الكلية للدولار. وهذه القاعدة تستند إلى ما يعرف بـ"سلاسل التوريد" عبر الحدود في التجارة العالمية، وفق خبراء في "بنك التسويات". النقطة المركزية هنا، هي أن التمويل لهذه السلاسل يأخذ دائما شكل إقراض بالعملة الأمريكية للشركات التي لا تتخذ أصلا من الولايات المتحدة مراكز لها، إلا أنها تتاجر بالدولار. هذا التفسير يلقى تأييدا كبيرا من الخبراء الاقتصاديين في أغلب الدول. وعلى هذا الأساس تظل مسألة "الدولار المهيمن" مطروحة على الساحة، إلى أن تحدث متغيرات ما، يبدو أنه من الصعب حدوثها على الأقل في المستقبل المنظور. دون أن ننسى، أن هناك تقدما واضحا على صعيد اعتماد بعض العملات الرئيسة الأخرى ضمن التعاملات التجارية.
ولعل من ضمن الحقائق التي يتناولها المختصون دائما، هي تلك التي تتعلق بالاقتصادات الناشئة المرتبطة بصورة كبيرة في الدولار الأمريكي. فالدولار القوي يهدد مالية هذه الاقتصادات التي تتجه دائما إلى الاقتراض بالعملة الأمريكية، ما يضر بنشاطها الاقتصادي العام، بما في ذلك التجارة بالطبع. ومع ذلك سيبقى الدولار مسيطرا على الساحة الاقتصادية العالمية، بصرف النظر عن الجوانب السلبية الناتجة عن ذلك. والأسباب معروفة في هذا المجال، أولها عدم وجود عملة منافسة حقيقية. وهذه المنافسة غائبة حتى بين عملة قوية كاليورو والعملة الأمريكية. المطلوب في هذا الشأن أن تكون للعملات المنافسة مؤسسات محلية أقوى، حيث تقدم خيارات متقدمة للمتداولين عبر الحدود. إنها عملية صعبة في ظل الحقائق التي يستند إليها الدولار الأمريكي منذ عقود عديدة.

إنشرها