العالم يحتاج إلى نظام مالي جديد مستدام «3 من 3»

|

في ظل التوقعات ببلوغ قيمة استثمارات البنية التحتية نحو 90 تريليون دولار خلال الفترة من 2015 إلى 2030، يمكن أن تضمن القرارات الذكية التي تتخذ اليوم تنفيذ استثمارات مربحة ماليا ومستدامة بيئيا.
وتقدم سوق السندات الخضراء للمستثمرين استثمارات مستقرة ومصنفة وسائلة وطويلة الأجل. وبالنسبة لجهات الإصدار، تمثل السندات الخضراء سبيلا للاستفادة من رأس المال الخاص طويل الأجل العملاق الذي تبلغ قيمته الإجمالية 100 تريليون دولار وتديره المؤسسات الاستثمارية العالمية مقابل دخل ثابت. وسيسهم التحول من المصارف إلى أسواق رأس المال في تحرير الطاقة المحدودة للميزانيات العمومية للمصارف واستخدامها في تمويل المشاريع في مراحلها الأولى والإقراض لأغراض تطوير البنية التحتية.
لكن على الرغم من أن الاستثمارات المتخصصة مثل السندات الخضراء تمثل عاملا مساعدا مهما، إلا أنها لن تكفي لتمويل التحول إلى مستقبل منخفض الكربون. إذ إنها لا تمثل سوى 3 في المائة. فقط من السندات المصدرة عالميا عام 2018.
وحتى يمكن تعميم مفهوم الاستثمار المستدام، يجب عدم الاقتصار فقط على استبعاد الصناعات ذات اللون البني غير القابلة للإصلاح وتمويل التكنولوجيات الجديدة ذات اللون الأخضر الداكن. فالاستثمارات المستدامة يجب أن تشجع وتدعم جميع الشركات التي تعمل على التحول من اللون البني إلى اللون الأخضر.
وهذه الاستراتيجيات الاستثمارية التي تميل وتولي أهمية كبيرة للاستثمار في أسهم الشركات المتسقة مع المعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة، والاستراتيجيات الاستثمارية القائمة على مفهوم "الزخم" التي تركز على الشركات التي سعت إلى تحسين تصنيفها حسب المعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة، فاقت جميع المقاييس العالمية لما يقرب من عقد كامل.
ومن الضروري تعميم هذه الاستراتيجيات والأدوات اللازمة لتطبيقها. لكن عدم الاتساق في قياس المعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة يشكل حاليا أحد أكبر المعوقات التي تحول دون ذلك. فنحن في حاجة إلى تصنيف موحد لمساعدة الأسواق المالية على تحديد الأداء البيئي الفائق بدقة وتوجيه الاستثمارات على هذا الأساس. ويعد التصنيف الأخضر ومعيار السندات الخضراء الصادران عن الاتحاد الأوروبي نقطة بداية جيدة، لكن المشكلة أن كلا منهما ثنائي اللون "الأخضر الداكن أو البني فقط".
وينبغي أن يستطيع مالكو الأصول في نهاية المطاف إبلاغ المسار المناخي لحوافظهم.
ويستدعي تعميم الاستثمارات المستدامة تصنيفا أكثر شمولا يتضمن 50 درجة من درجات الأخضر.
يجري العمل حاليا على إنشاء سوق مالية جديدة في سياق التحول إلى عالم لا يتجاوز ارتفاع درجة حرارته 1,5 درجة مئوية، ما سيتضح معه التكلفة المستقبلية المحتملة للأعمال والانبعاثات لكن علينا التحرك بوتيرة أسرع كثيرا.
فها قد حان الوقت لاتخاذ خطوة عملاقة لدمج الإبلاغ وإدارة المخاطر وأدوات تحقيق العائد الأمثل على الاستثمار المستدام في عملية صنع القرارات المالية اليومية.
وستتحدد سرعة تطور النظام المالي المستدام الجديد في نهاية المطاف حسب مدى طموح السياسات المناخية الحكومية.
وإذا ما تحولت التزامات باريس إلى أهداف تشريعية وإجراءات ملموسة في عدد أكبر من الدول، سيكون بمقدور النظام المالي تعظيم أثر هذه الجهود من خلال تشجيع الاستثمارات المستدامة ووقف الأنشطة غير المستدامة.
ولن يقود صناع السياسات المالية التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، لكن مصلحتهم الواضحة تكمن في ضمان قدرة النظام المالي على التأقلم مع التغيرات الناتجة عن هذه القرارات وتجنب "لحظة الانهيار" التي قد تنتج عن تغير المناخ.
ويكمن دورنا في وضع أطر لتمكين الأسواق من التأقلم بكفاءة. وستتيح الأطر السليمة حلقة من الآثار المرتدة بين الأسواق وصنع السياسات، حيث تصبح السياسة المناخية أقرب في طبيعتها إلى السياسة النقدية حيث يتعلم صناع السياسات من ردود أفعال الأسواق، وتقوم الأسواق باستيعاب أهداف صناع السياسات واستراتيجياتهم وأدواتهم.
غير أن الوتيرة التي تتطور بها هذه السوق ستعتمد اعتمادا كبيرا على اتساق السياسات المناخية ومصداقيتها. فالتمويل سيكون عاملا مكملا وربما معززا للأثر لكنه لن يكون بديلا عن السياسات المناخية. وأطر السياسات الأكثر تأثيرا هي الأطر التي تتسم بالاتساق الزمني "أي لا تتغير بصورة عشوائية" والشفافية "أي ذات أهداف وأسعار وتكاليف واضحة" والالتزام "من خلال المعاهدات والمساهمات المحددة وطنيا والتشريعات المحلية والتوافق بين أصحاب المصلحة".
وعندما يصبح للدول سجل أداء جيد وتنمو مصداقيتها، ستقوم الأسواق بتوجيه رأس المال نحو تحقيق الابتكار والنمو اللازمين وتسريع وتيرة التأقلم مع مستقبل منخفض الكربون. وكلما ارتفعت نسب الإبلاغ وازدادت كفاءة التقييمات الائتمانية واتسع نطاق تطبيق الأدوات التي تتيح تحقيق العائد الأمثل على الاستثمارات، زادت وتيرة التحول وأمكن بالتالي حل معضلة الأفق الزمني.

إنشرها