كلية التوسع في جامعة هارفارد

|


حينما نقول جامعة هارفارد Harvard، تبرز أمامنا مسألة تميز الجامعات، لأن هذه الجامعة تقفز دائما إلى المراكز الأولى، إن لم يكن إلى المركز الأول تحديدا، وذلك في مختلف تصنيفات الجامعات حول العالم. أنشئت هذه الجامعة في مدينة كامبردج Cambridge في ولاية ماساشوستس Massachusetts الأمريكية عام 1636، أي قبل قيام الولايات المتحدة بـ140 عاما. ولا تتميز هذه الجامعة بحجمها، لأن عدد طلابها لا يزيد كثيرا على 36 ألف طالب، أي ما يعادل حجم جامعة متوسطة، وإنما تتميز بأثرها.
علميا حصل منسوبون ينتمون إليها على كثير من جوائز نوبل Nobel؛ وأدبيا حصل منسوبون آخرون ينتمون إليها أيضا على جوائز بيوليتزر Pulitzer. ويضاف إلى ذلك حرصها على قبول طلبة من مختلف أنحاء العالم، فلديها خريجون، تعدهم سفراء لها، ينتمون إلى مختلف دول العالم، حيث يقول موقعها على الإنترنت، إن عدد الدول التي ينتمي إليها هؤلاء بلغ 202 دولة. ويفوق هذا العدد عدد دول منظمة الأمم المتحدة UN، بمعنى أن خريجيها ينتشرون حتى في الدول غير الأعضاء في المنظمة الدولية. وغاية هذا المقال هي بيان تأثيرها في المجتمع من حولها، وعلى العالم بأسره أيضا، عبر كليتها الخاصة التي تعرف "بكلية التوسع" Extension School، إضافة إلى طرح ما يمكن أن نستخلصه من ذلك.
تهتم كلية التوسع بخدمة الطلبة الذين لا يتمتعون بفرصة التفرغ للدراسة في الجامعة، لكنهم يرغبون في التعلم من أجل تطوير إمكاناتهم، وبالتالي مكانتهم في سوق العمل، أو يتطلعون إلى اكتساب المعرفة في موضوعات تناسب رغباتهم وتستجيب لهواياتهم. مثل هؤلاء يمكن أن يكونوا من العاملين في وظائف مختلفة، قرب الجامعة كي يستطيعوا الحضور خارج أوقات العمل، أو بعيدين عنها، حول العالم، ويحتاجون إلى مقررات تقدم عبر الإنترنت. وليس هناك سن محدد لمثل هؤلاء، بل إن أعمارهم تراوح بين 18 عاما و89 عاما.
تقدم الكلية 900 مقرر في موضوعات مختلفة تعطى في فصول دراسية أو عبر الإنترنت. وتعمل الكلية على أربعة مسارات رئيسة: مسار "الدرجات الجامعية"، حيث تمنح الجامعة درجة البكالوريوس؛ ومسار "الدراسات العليا"، حيث تمنح درجة الماجستير؛ ثم "مسار الشهادات" التي تمنح نتيجة إتمام الطالب لبرنامج يشمل مجموعة من المقررات في موضوعات محددة؛ وأخيرا "مسار المقرر الواحد" الذي يتلقى صاحبه توثيقا عند إتمامه. وبلغ عدد طلبة كلية التوسع في العام الدراسي 2017 ــ 2018 أكثر من 16 ألفا يمثلون نحو 45 في المائة من مجمل عدد الطلبة في جامعة هارفارد، كما أوضح موقع الجامعة. ولأن الجامعة خاصة وليست حكومية، فهي تطلب رسوما من كل طالب تبعا للمسار الذي يختاره.
قد يبدو أن كلية التوسع حديثة تستجيب لمتطلبات المجتمع نتيجة التقدم المعرفي المتسارع من جهة، ولمعطيات العصر الرقمي من جهة أخرى. هي فعلا تستجيب لما سبق، لكنها، مع ذلك، ليست حديثة، فقد تم إنشاؤها عام 1835 تحت اسم "معهد لوويل" Lowell Institute، أي قبل نحو قرنين من الزمن. وبالطبع لم يكن هناك، في ذلك الوقت تحول رقمي، بل كانت المقررات تقدم في قاعات المحاضرات، وتطرح في أوراق وكتب. واهتمت جامعة هارفارد بهذا المعهد وعملت معه على تقديم مقررات للجميع ابتداء من عام 1906، إلى أن أصبح جزءا من هارفارد وبات يطلق عليه اسم كلية التوسع.
وهكذا نجد أن جامعة عريقة كهارفارد لم تر دورها في تأهيل نخبة من المهنيين في مجالات مختلفة ومنحهم درجات علمية متميزة فقط، بل رأت مبكرا أن دورها أيضا يجب أن يكون في إعطاء فرصة تعليمية لجميع أبناء المجتمع، بما في ذلك الأقل حظا الذين لم تسمح لهم ظروفهم بالالتحاق بالتعليم الجامعي في الوقت المناسب. ليس هذا فحسب، بل رأت كذلك، ومبكرا أيضا، أن التطور المعرفي يتطلب تقديم مقررات تحديث بشكل متواصل يستفيد منها الجميع لتفعيل دورهم في العمل والإنتاج والإسهام في التنمية. ويكتسب هذا الأمر، في هذا العصر، أهمية كبيرة مع انتشار تقنيات المعلومات والإنترنت والذكاء الاصطناعي. فبهذه التقنيات يمكن التوسع في التعليم و"التعلم مدى الحياة LLL"، كما لم يكن ممكنا من قبل.
ليس ما تقوم به هارفارد عبر كلية التوسع عملا متفردا لا يستطيع غيرها القيام به. فالدرجات الجامعية عبر الإنترنت باتت كثيرة، وكذلك دورات الشهادات أو المقررات المختلفة. لكن الفرق هو أنها "هارفارد"، فهي اسم كبير في عالم التعليم والبحث العلمي، وكل ما يصدر عنها يلقى تسويقا حول العالم. فإذا ما استمرت في التوسع رقميا، وتردد الآخرون أو تراجعوا عن المنافسة، فإن توسعها سيصبح غزوا مرحبا به، فما أجمل من أن تدرس وتتلقى المعرفة عبر هارفارد، وتتأهل وتتسلم الشهادات موقعة من هارفارد. هذا الغزو لا ينطبق على هارفارد فقط، ولكن ينطبق أيضا على جميع الجامعات المتقدمة التي تقدم وتسعى مثلها إلى التوسع في التعليم والتعلم مدى الحياة وإيصاله إلى الجميع استجابة لمتطلبات الحياة في هذا العصر.
لا شك أن جامعاتنا قادرة على تقديم درجات علمية عبر الإنترنت، بل إن بعضها يقوم بذلك فعلا. ولا شك أيضا أنها قادرة على متابعة مستجدات العصر، فأعضاء هيئة التدريس فيها مؤهلون تأهيلا عاليا للقيام بذلك. والسؤال الذي يحتاج إلى الطرح هنا هو: هل لدى جامعاتنا برامج خاصة، خارج إطار الدرجات العلمية، وفي إطار شهادات الدورات الخاصة التي تحدث المعرفة المهنية في المجالات المختلفة، وتضيف إليها معطيات جديدة يحتاج إليها العصر؟ إذا كان الأمر كذلك فنحن كهارفارد نتوسع في المجتمع ونتوافق مع العصر، وإن كان هناك تقصير، فلا بد من تجنبه. ولعل بين أهم ما يجب أخذه في الاعتبار في هذا المجال التوجه نحو التقارب بين ما تستطيع الجامعات تقديمه للمجتمع من جهة، وما يحتاج إليه المجتمع ومؤسساته، وبالذات سوق العمل من جهة أخرى، ففي ذلك دعم للتنمية المنشودة وتعزيز لاستدامتها.

إنشرها