إدارة الأرباح وآثارها المدمرة

|


تُصمم الكيانات الربحية وغير الربحية لتعظيم القيمة، وحل المشكلات وصنع الوظائف وغير ذلك من الأهداف. ويتحمل القائمون عليها -الفريق الإداري- مسؤولية تحقيق ذلك، لذا إن عملوا على إدارة الأرباح بدلا عن صنعها، فهم يهددون فرص تحقيق هذه الأهداف، وربما قتلوا فرص حدوثها بالكامل. تقوم المنشآت على مفهومين مهمين، الأول: تكامل الجهود وتآزرها، بحيث تصبح قيمتها مجتمعة أكبر من قيمتها منفردة، والآخر: البناء والتراكم الإيجابي، إذ تبنى جهود الأفراد والفرق على بعضها بعضا، وتصنع وتنمو الأعمال بالتراكم والتراكب فتنتشر القيمة ويحدث الأثر. مع الأسف، تدمر إدارة الأرباح ذلك بالكامل، فتصبح المنشأة، التي تدار أرباحها من قبل القائمين عليها إلى كيان هش، ضعيف، مليء بالمفاجآت يخسر كل يوم فرصه البديلة والحاضرة، ويفقد بكل تأكيد دوره في الاقتصاد والمجتمع كوحدة بناء يعول عليها كثيرا.
تؤكد الدراسات الآثار السلبية لممارسات إدارة الأرباح، سواء كانت محاسبية بحتة أو حقيقية، بثني طرق العمل وتعديلها، لإظهار نتائجه بشكل مغاير للواقع. وقبل الخوض في هذه الآثار، أؤكد على تجريم القوانين لعدد غير قليل من هذه الممارسات، وأن المنطق يؤكد أهمية إظهار هذه المشكلة والتعريف بها بشكل واضح وفهم آثارها، واستكشاف حلولها وطرق علاجها، سواء كان ذلك بتعزيز الحوكمة أو محاسبة المقصرين، أو النظر في جذور المشكلة مثل، ضعف تصميم الحوافز وأسس العلاقة، التي يتحمل بموجبها المديرون مسؤولياتهم. يمثل سلوك إدارة الأرباح خروجا صريحا عن التوقعات التعاقدية بين الملاك والمديرين، وقد يعد خيانة لمن يوضع في موطن المسؤولية المجتمعية فيقدم مصالحه على ما يجب أن تمليه عليه أخلاقه ومبادئه ومعايير العمل وارتباطاته.
تبدأ آثار إدارة الأرباح من الأرباح نفسها، فكرة الفترات المحاسبية تعني أن هناك ارتباطا زمنيا وثيقا بين استعراض الأداء في القوائم المالية؛ أي تغيير للواقع في فترة ما سيؤثر في الأرجح على الفترات الأخرى بطريقة مختلفة. ولا ننسى أن مصادر الشركة الرئيسة الممثلة في قائمة المركز المالي تتأثر بالمظهر المخادع، الذي ينتج عن إدارة الأرباح، فمعظم ما يحدث في قائمة الدخل ينعكس بشكل أو بآخر في وضع الشركة في لحظة ما.
مع مرور الوقت، تؤثر ممارسات إدارة الأرباح على مهارات المحاسبين وموظفي المنشأة، سواء اجتهد الموظف أم لم يجتهد، هناك من يأتي آخر العام ويقوم بلمساته النهائية، التي تجعل العام يشبه ما قبله. فتتشابه لديهم الأعوام ويصبح الجهد بلا قيمة، وهذا من أقوى مصادر الإحباط. ومع مرور مزيد من الوقت، تنتقل هذه الآفة إلى مجلس الإدارة والملاك، فيولد لديهم تصور خاطئ بأن هذه هي حدود المنشأة، هذه هي فرصها وقدرتها الحقيقية، وليس بعد ذلك خداع. لنتخيل قيمة القرارات الاستراتيجية، التي تبنى على التدليس وليس الحقائق، كيف تؤسس النجاحات هنا؟ كل ما يحدث مجرد جلسة "مكياج" احترافية تصنع الصورة نفسها من جديد؛ بالطبع مع مرور الوقت لن تصلح جلسات التجميل ما يفسده الدهر.
على المدى الطويل، لا تحول إدارة الأرباح الشركة إلى صورة ثابتة من الأداء، بل تثبت الدراسات بأن إدارة الأرباح لها تأثير سلبي على الأرباح التشغيلية المستقبلية، وهذا منطقي جدا مع التضخم والمنافسة واستمرار التحديات. محاولة البقاء بالوضع نفسه تعني النزول إلى الهاوية. من الآثار الأكيدة أيضا تدمير سمعة الشركة، عندما تبحث الإدارة عن تلميع صورتها بإدارة الأرباح، فهي تخاطر هنا بالسمعة التي تكون أثمن ما تملكه الشركة، فلا يصلحها تسويق ولا تعالجها علاقات. مشكلة السمعة عويصة، لأن ما يجنيه الفريق الإداري من إدارة الأرباح لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعادل النتائج حين يتم اكتشافها، فدوي الفضيحة أكبر بكثير من محاولة حجبها، والفضائح المالية العالمية والمحلية خير مثال.
إذا نظرنا بزاوية أوسع سنجد أن إدارة الأرباح مدمرة للاقتصاد وعناصره، أسوأ ما تكون إذا انتشرت كظاهرة أو سلوك عام. هنا يصبح الأثر خداعا على مستوى المنظومة الاقتصادية. كل كيان يصنع القيمة يعد وحدة اقتصادية تسهم بدور مهم في الهيكل الاقتصادي، إذا كانت هذه الوحدة تصنع نتائج مغشوشة أو غير حقيقية، فهذا خلل. إذا تكررت هذه الوحدات المختلة فهذا الهيكل آيل للسقوط، إحصاءاته مخادعة وأعماله لا تستحق الثقة، العمل معه مخاطرة كبيرة وضحاياه كثيرون. من أمثلة الخلل الاقتصادي في بيئة يختفي أو يضعف بها نظام الإفلاس، أن المديرين يؤخرون -عن طريق إدارة الأرباح- الحاجة إلى إعلان الإفلاس، فيتعاظم الخطر ويتأخر التصحيح وتضيع الحقوق، ولنا أن نتخيل الأثر المتكرر والمتراكم لمثل هذا التأخير المدمر للقيمة الاقتصادية وإعادة تدويرها. من الآثار السلبية الأخرى، العلاقة الإيجابية المؤكدة بين إدارة الأرباح والبحث عن التمويل، وهذا يعني الحصول على تمويل غير مستحق، ويعني مزيدا من الآثار السلبية بسيولة مخادعة وعجز لاحق عن السداد. ما تذكره الدراسات أيضا أن ممارسات إدارة الأرباح ترفع من مستوى الملاحقات القضائية المرتبطة بالأمور المحاسبية وحقوق المساهمين، وهذا متوقع، وهو أمر لا يخلو من الخسائر لجميع الأطراف. إن الإدارة التي تبرر أو تحاول القيام بأي من هذه الممارسات هي إدارة للفشل والخسائر بجميع أنواعها، حمانا الله وإياكم.

إنشرها