ثقافة وفنون

كل عام واللغة العربية بخير

يحتفي العالم في الـ18 من ديسمبر كل عام باللغة العربية؛ لأن هذا اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية في الأمم المتحدة. وجاء في القرار الذي اقترحته كل من المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية، أن المجلس التنفيذي "يدرك ما للغة العربية من دور وإسهام في حفظ ونشر حضارة الإنسان وثقافته"، وأن هذه اللغة "هي لغة 22 عضوا من الدول الأعضاء في اليونيسكو وهي لغة رسمية في المنظمة، ويتحدث بها ما يزيد على 422 مليون عربي، ويحتاج إلى استعمالها أكثر من مليار ونصف من المسلمين".
إن فكرة الاحتفاء باليوم العالمي للغة الأم جاءت لتعزيز الوعي بأهمية التعدد اللغوي والتنوع الثقافي، ولتعزيز المحافظة على كل لغات العالم، واعترافا عالميا بحق كل لغة في الاستمرار حية على ألسنة الناطقين بها. وإن احتفالنا باللغة العربية في يومها العالمي تقديرا واعترافا بذاتنا وهويتنا يعلن تجاوزنا الصراع من أجل الاعتراف بهويتنا المتمثلة في لغتنا إلى الاعتراف المتبادل. وعلى حد تعبير ريكور "لا توجد هوية متحققة منفردة بذاتها من دون تنوع بالنسبة إلى الآخرين"، فالاعتراف بأهمية لغتنا عالميا لا يتحقق بشكل كامل من دون الاعتراف بأهمية اللغات الأخرى.
وقد أعلنت اليونيسكو أن الاحتفاء بيوم اللغة العربية هذا العام 2019 سيكون تحت عنوان "اللغة العربية والذكاء الاصطناعي". واختيار مثل هذا العنوان يؤكد لنا أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتقلت بشكل حقيقي من قصص الخيال العلمي إلى واقعنا الملموس. وينبغي لأي تطوير في أي مجال من مجالات الحياة اليوم أن يأخذ في الحسبان ارتباطه بشكل مباشر بالذكاء الاصطناعي. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق "ما علاقة اللغة العربية بالذكاء الاصطناعي؟ إن الذكاء الاصطناعي يعني صنع أنظمة ذكية قادرة على محاكاة مجمل الوظائف الذهنية عند الإنسان، التي من أهم وظائفها القدرة على استعمال اللغة، وبذلك تكون أهمية الذكاء الاصطناعي في الحفاظ على اللغة العربية بكل مكوناتها في العالم الذكي اليوم، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تعليم اللغة العربية، ومن ثم توجيه البحث اللغوي العربي فيما يخدم حوسبة اللغة العربية.
تشكل معالجة اللغة العربية آليا أهمية كبيرة لتنوع المجالات التي يمكن استخدام الحاسوب فيها لخدمة اللغة؛ مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في الإحصاء اللغوي وتأليف الكتب، والترجمة الآلية، والمعاجم الذكية، وتحليل النصوص، وقراءتها، والفهم الآلي للنصوص، وتلخيصها، وتصحيحها إملائيا ونحويا، إضافة إلى تعليم اللغات. والمجالات التي سيخدم فيها الذكاء الاصطناعي اللغة في ازدياد، لكنه يحتاج إلى من يخدمه من اللغويين الذين يقدمون للمبرمج صيغة رسمية لقوانين اللغة الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، والتداولية.
إن اللغة العربية اليوم في هذا العصر الذكي تواجه تحديا كبيرا في معالجتها آليا؛ فقد أصبحنا في حاجة ماسة إلى نظرة شاملة لمكونات اللغة العربية، لأن إشكالية اللغة العربية إشكالية ثقافية تشمل كل مظاهر سلوك الإنسان العربي، وبذلك لا يمكن تناولها انطلاقا من منظور تخصص علمي وحيد، فلا بد أن تتضافر تخصصات اللغة مع الفلسفة، وعلم النفس، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الأعصاب، والأنثروبولوجيا؛ لوضع استراتيجية واضحة للإصلاح اللغوي الشامل، في إطار خطة وطنية شاملة تعالج جوانب اللغة كافة من النواحي العلمية، والتعليمية، والتقنية، استعدادا للعصر الذكي القادم.
ولا يمكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي واللغة العربية بمعزل عن أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي الناطقة بالعربية وهي: مساعد "جوجل"، و"سيري"، التي تمتلك مهارات إنتاج اللغة العربية، وفهمها بصورة جيدة إلى حد ما، وتلقي الأوامر الصوتية وتنفيذها. ويتمكن مساعد "جوجل" الشخصي الآن من فهم اللهجة المصرية، واللهجة السعودية، والإجابة عنهما باللغة العربية الفصحى، وفقا للبيان الذي صرح به ممثلو شركة جوجل لصحيفة "الشرق الأوسط". ويستطيع مساعد "جوجل" فهم السياق اللغوي والسياق الثقافي المحلي؛ حيث يمكنه إدراك معنى كلمة "فيروز" في جملة نحو: "قم بتشغيل أغاني فيروز على يوتيوب" ليفهم أن كلمة "فيروز" تعني اسم الفنانة اللبنانية، وليست اسما لحجر كريم، كما يستطيع المساعد فهم حركات التشكيل في الكلمات التي تغيّر المعنى كليا حتى لو كانت الأحرف نفسها، وبالتالي جلب المعلومة الصحيحة، أو القيام بالوظيفة المطلوبة من دون لبس، وفقا للهجة المحلية لكل بلد تعمل الخدمة فيه.
يلزمنا لتطوير الذكاء الاصطناعي في خدمة تنفيذ الأوامر الصوتية باللغة العربية العناية بدراسة اللهجات العربية لمعرفة قوانينها، لأننا واقعيا لا نستخدم الفصحى في أحاديثنا اليومية، ولكل نطاق جغرافي من العالم العربي لهجة خاصة به، فأكبر خدمة يقدمها اللغويون للغة العربية اليوم هي دراسة قوانين اللهجات العربية، وهي التي تمثل اللغة الطبيعية المحكية في المجتمعات العربية. ويجدر بنا قبل دراسة أي لهجة عربية؛ أن نعلم أن احترامها هو احترام للعربية الفصحى الأم، وأن أي دراسة لأي لهجة عربية تسهم بشكل مباشر في تقوية مكانة اللغة العربية من بين اللغات العالمية. أما دراسة اللهجات من أجل نسبتها إلى اللهجات القديمة، أو محاولة إثبات فصاحتها من عدمه، أو محاولة تصحيح أخطائها، أو تقريبها من الفصحى؛ فتلك دراسات عديمة الجدوى في هذا المجال، إنما المطلوب هو البحث في قوانين اللهجات الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، بما يخدم مجال معالجة اللغة الطبيعية آليا. فالتحدي المقبل حول جعل الذكاء الاصطناعي قادرا على فهم اللهجات، والتحدث بها، ضمانا لحق كل لهجة عربية في إمكانية الحصول على خدمات الذكاء الاصطناعي، من دون أن تقف اللهجة عائقا بين الأميّ العاجز عن إتقان العربية الفصحى والخدمات الهائلة التي سيقدمها الذكاء الاصطناعي مستقبلا، إضافة إلى الأهمية الأمنية في قدرة الذكاء الاصطناعي على تمييز اللهجات والتفريق بينها، والتعرف على هوية المتكلم من خلال لهجته.
تؤكد أودري أزولاي المديرة العامة لليونيسكو، أن الذكاء الاصطناعي سيحقق تغييرا جذريا في مجال التعليم: وسنشهد ثورة تشمل كل الأدوات التربوية، وتقنيات التعليم واستراتيجياته، وبرامج إعداد المعلمين. ونرى اليوم كثيرا من البرامج الذكية التي صممت لتناسب احتياجات كل فرد في تعلم اللغة، ومن التطبيقات الذكية التي تعلم اللغة، وتعد بديلا مفضلا للمتعلم؛ تلك التطبيقات التي تدمج اللعب مع تعلم اللغة، وتوفر قائمة واسعة من اللغات التي يخصص لكل منها مجموعة من الألعاب لتعلم مهارات الاستماع، وفهم قواعد اللغة، وحفظ المفردات، وتمكن المتعلمين من مراقبة مستوى تطورهم في إتقان مهارات اللغة، وتساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي متعلم اللغة على اختيار أنسب وأسرع طريقة تناسبه في تعلم اللغة، وبذلك توفر له كثيرا من الوقت والجهد. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن هذه التطبيقات الذكية المتوافرة اليوم تعد نماذج بدائية للذكاء الاصطناعي المأمول تحقيقه في المستقبل.. وإن كانت التطبيقات الذكية اليوم تساعد المتعلمين على توفير الوقت عند تعلمهم اللغة بمفردهم؛ إلا أنه لا يمكن الاستغناء عن شريك لغوي بشري، أو معلم جيد، إلى أن يصل الذكاء الاصطناعي مستقبلا إلى قدرات التحدث بذكاء مع البشر، ويستطيع التواصل اللغوي مع المتعلــــم بصورة مشابهة للتواصل البشري.
إن أهم دور للغويين في هذا العصر التوسع في الدراسات البينية التي تعالج قضايا اللغة بصورة شاملة، وأهم دور لكل عربي أن يستخدم اللغة العربية بأقصى قدر ممكن في التواصل المكتوب والمنطوق، لرفع رصيد اللغة العربية المستخدمة على الإنترنت لدعم المحتوى العربي. فكل شخص يتحدث العربية يمتلك القدرة على إبداع وإنتاج جمل جديدة لم تسمع من قبل، تسهم في إثراء اللغة العربية.
ومن أبرز الأمور التي تسهم في حفظ اللغة العربية العناية بلهجاتها، لأن اللهجة هي الصورة الحية للغة، وحياة اللغة في استخدامها، والاحتفاء بيوم اللغة العربية هو احتفاء بالتنوع اللغوي، وجدير بنا في يوم اللغة العربية أن نحتفي بكل لهجة عربية؛ أن نعترف بوجودها، وأن نحترم حضورها على لسان الناطقين بها، وأن إقصاء اللهجات العامية وتهميشها، ومعالجتها بصفتها شذوذا جانب الصواب اللغوي؛ وهو محاولة لقطع غصن من أغصان شجرة اللغة العربية المثمرة. وختاما "كل عام واللغة العربية بكل لهجاتها بخير".

* أستاذ اللسانيات المشارك
قسم اللغة العربية-جامعة الأمير سطام
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون