لغتنا العربية في يومها العالمي

|

تمت إضافة اللغة العربية إلى لغات العمل الدولية يوم الـ18 من شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 1973؛ وأعلنته المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم اليونيسكو UNESCO عام 2011، يوما عالميا سنويا للغة العربية. ولم يكن إعلان هذا اليوم مفاجأة غير متوقعة، فاللغة العربية لغة حية بارزة في العالم، وهي اللغة الأم لأكثر من 300 مليون عربي؛ وهي لغة القرآن الكريم الذي يتلوه 1.8 مليار مسلم. ثم هي لغة أدبية شعرية تعبيرية يحبها أبناؤها، حيث كانوا ومازالوا يتغنون بها عبر الزمن. فقد قال فيها أحمد شوقي أحد هؤلاء الأبناء المحبين، وأمير شعراء العرب في القرن الـ20، بيت الشعر التالي:
 إن الذي ملأ اللغات محاسنا
 جعل الجمال وسره في الضاد
 ولعل من المناسب هنا ذكر أن واحدا آخر من أبنائها المحبين، وهو الكاتب المتميز الدكتور زياد الدريس كان صاحب مبادرة الإعلان العالمي عن يوم اللغة العربية عندما كان مندوبا للمملكة في "اليونيسكو".
كان يوم البارحة الأربعاء يوم اللغة العربية للسنة الثامنة بعد الإعلان العالمي عنه. ولعل مناسبة هذا اليوم تدعو جميع أبناء هذه اللغة إلى وقفة مسؤولية تجاهها. هل نحن مقصرون بشأنها؟ إن كان الأمر كذلك، فأين أوجه التقصير؟ ثم ماذا علينا أن نفعل لتجنب هذا التقصير؟ أمام هذه التساؤلات علينا أن نتذكر أننا في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المعني بتفعيل المعلومات والمعرفة في المجتمع، وتعزيز دور الآلة في زيادة كفاءة كثير من الأعمال والارتقاء بفاعليتها. ولأن هذا الأمر يرتبط بالمعلومات والمعرفة، فلا بد للغات من دور فيه، ولا بد لنا من الاهتمام بذلك خصوصا ما يتعلق منه بلغتنا العربية الجميلة.
إذا بدأنا البحث عن تقصيرنا تجاه لغتنا الجميلة، فإن تقصيرنا الرئيس يأتي في مسألة تعلمنا للغتنا واهتمامنا بهذا التعلم. فلتعلم اللغة بصورتها الصحيحة "فائدتان رئيستان". تكمن الفائدة الأولى في تحسين قدرتنا على التواصل مع الآخرين بلغة صحيحة واضحة وجلية، قولا وسمعا، قراءة وكتابة. ولا شك أن لهذه الفائدة أهمية كبرى يشعر بها كل من يقرأ بعض الكتابات الركيكة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، أو يسمع بعض الرسائل الصوتية الواهنة، حتى وإن كان بعض مصادر هذه الكتابات أو الرسائل متمتعة بمستوى تعليمي رفيع. وتأتي الفائدة الثانية مكملة لسابقتها، فاللغة العربية السليمة، مطلوبة لتفعيل التحول الرقمي، والتفاعل مع الآلة عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي، وكذلك استخدام هذا الذكاء في الترجمة الآلية. ولعلنا، في إطار سلامة اللغة العربية، نلاحظ أن القنوات الفضائية العربية حرصت على ذلك كي تعبر الحدود، وتخاطب الجميع، وتنشر معطياتها على نطاق واسع.
إذا أردنا الاستجابة لما سبق، وتعلم اللغة العربية بالشكل السليم المأمول، نجد أنفسنا أمام مسائل رئيسة ثلاث. ترتبط أولى هذه المسائل بمناهج تعليم اللغة العربية، وتنفيذ هذه المناهج في مدارس التعليم العام. وتتعلق المسألة الثانية بهجر بعض مدارس التعليم العام للغة العربية، واعتمادها لغات تعليم أخرى بديلا عنها، حيث تصبح العربية في مثل هذه المدارس لغة ثانية. أما المسألة الثالثة فتتمثل بالأفراد الذين تجاوزوا مراحل التعليم، مع إدراكهم أنهم لا يعرفون العربية بالشكل السليم المطلوب، ويرغبون في زيادة معرفتهم بها، لأنهم يرون في ذلك تعزيزا لتواصلهم مع الآخرين على نطاق واسع من جهة، وتأهيلا لهم في تعاملهم مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى. ولعلنا نلقي بعض الضوء على كل هذه المسائل في التالي.
إذا بدأنا بالمسألة الأولى، نجد أن هناك ضعفا عاما في سلامة اللغة العربية عند خريجي التعليم العام، وقد يكون سبب ذلك ضعفا في المناهج، أو تنفيذها، أو ربما في الاثنين معا. وإذا كان هناك من تعليق في هذا المجال، فهو أن تفاعل الإنسان مع اللغة يأتي أساسا من ممارستها في الحديث والكتابة. فإن لم يكن هناك تفعيل للحديث بلغة عربية سليمة والكتابة بها أيضا، على مدى أعوام التعليم، فلن نجد الإتقان المأمول للغة بين خريجي التعليم العام. وأذكر أن أكثر من زميل لي من أساتذة الجامعات من دول عربية مختلفة يبتعدون عن الكتابة بالعربية ويفضلون الكتابة بالإنجليزية. والسبب أنهم تدربوا على الكتابة بالإنجليزية عندما أمضوا دراستهم العليا في الخارج، لكنهم لم يتدربوا على الكتابة بالعربية خلال مراحل التعليم العام.وننتقل إلى المسألة الثانية الخاصة بمدارس التعليم العام التي تتبنى لغة أخرى في التعليم وتجعل العربية لغة ثانية على أرضها. مثل هذه المدارس لا تراعي حقيقة اللغة الأم التي أثبتتها بحوث مختلفة وذكرتها "اليونيسكو"، في وثيقتها حول اللغة الأم الصادرة عام 2008. تقول هذه الحقيقة إن التعليم باللغة الأم يجعل المتعلم أكثر قدرة على استيعاب ما يتلقاه، والتفكير والإبداع والابتكار فيه. وتقدم الوثيقة، في هذا المجال، خمس فوائد رئيسة للتعليم العام باستخدام اللغة الأم. وتشمل هذه الفوائد: الحصول على أداء أكاديمي أفضل؛ ونتائج أكثر تقدما في الرياضيات؛ إضافة إلى تفعيل أكبر للشراكة المعرفية بين الطلاب والمدرسين؛ وتعزيز الثقة والقدرة لديهم على نقل المعرفة والتفاعل معها.
ونأتي أخيرا إلى المسألة الثالثة الخاصة بسعي المهتمين إلى استدراك ما فاتهم من لغتهم الأم، فهؤلاء يحتاجون إلى من يأخذ بيدهم في هذا الاتجاه، وهنا يبرز "التوجه المستقبلي الحميد نحو التعليم المستمر والتعلم مدى الحياة"، فهذا التوجه بات ضرورة في عصر المعرفة المتجددة، وهو أيضا متعة لعقل الإنسان الذي يسعى إلى كل جديد. فما أحلى أن يكون الجديد لغة جميلة نحرص على سلامتها؛ وما أفضل أن يكون ذلك متفاعلا مع التطور المتسارع للتحول الرقمي المعزز بالذكاء الاصطناعي؛ وما أجمل أن نجد ذلك مبشرا بحياة مستقبلية واعدة نتحدث فيها بلغة عربية سليمة، ليس نحن فقط بل آلات "الروبوت" الذكية أيضا.

إنشرها