ثقافة وفنون

برعاية «الثقافة» .. «معتزل الكتابة» أحد طقوس المبدعين وأجملها

يختار الروائيون والمؤلفون عادة أماكن هادئة ومنعزلة تدفعهم لنثر إبداعاتهم بشكل أسرع وأكثر جودة، فتتدفق أفكارهم على الورق بإلهام من جمالية المكان، وتثري خيالهم الخصب، ليكون هذا الطقس أحد الطقوس الشهيرة في العالم، بمسمى "معتزل الكتابة".
فأن تكون محاطا بالجمال والإلهام، ذلك كفيل بأن تغوص في عالم الكتابة، وأن يحرك فيك الأفكار المبتكرة والجديدة وغير المسبوقة، منبئا بولادة مواهب جديدة، أو إصدارات جديدة في مجالات القصة، الرواية، والمسرحيات، والسينما والدراما، والمؤلفات والسير الذاتية.

للمرة الأولى في السعودية
انتهت الأسبوع الماضي أعمال برنامج "معتزل الكتابة"، الذي تنظمه وزارة الثقافة للمرة الأولى في السعودية، حيث أقيم في عنيزة، في منتجع يطل من جوانبه على حقول شاسعة من النخيل، واستمر سبعة أيام، يتضمن إقامة الكتاب والكاتبات في مناخ أدبي مركز ومكثف، خصصت الدورة الأولى منه للكتابة في مجال القصة القصيرة، بهدف تحفيز الإبداع والابتكار وتبادل الثقافات، وتجويد المحتوى الأدبي السعودي من خلال تمكين الكاتب على الكتابة في مناخ أدبي فعال، ونقل التجارب والخبرات بين أعضاء المعتزل والمشرفين عليه من كبار الكتاب.
وبحسب ما كشفت عنه وزارة الثقافة، فإن الدورات المقبلة من البرنامج ستشهد مجالات مختلفة، وستقام في أماكن متنوعة من مناطق المملكة، في قالب جديد لدعم الكتابة الإبداعية وتوفير شكل مبتكر للقاء المؤلفين وتبادل الخبرات بينهم في أجواء أدبية مثالية، إذ يأتي البرنامج ضمن أنشطة قطاع الأدب والنشر والترجمة، الذي يتولى إدارته الدكتور محمد حسن علوان.
أشرف على "معتزل الكتابة" في عنيزة الروائي يوسف المحيميد والقاص عبدالرحمن الدرعان، وتمكنا خلاله من عرض النماذج المهمة من القصة العربية والأجنبية ودراستها ومحاولة تطويرها عبر برنامج يومي مكثف، يعزز بعد انتهائه بزيارات لمتاحف ومعالم أثرية في منطقة القصيم، وسماع القصص والحكايات الاجتماعية والتاريخية، ومنح المتدربين وقتا جيدا مخصصا للكتابة، ثم وضع نصوصهم تحت مجهر النقد والتحليل من قبل المشاركين، والسعي إلى تطويرها.
وعن هذه التجربة قال المحيميد إن الدول المتقدمة تقدم وتؤمن فرصا مهمة لمبدعين من عدة دول، وذلك للتفرغ للكتابة، وعقد أسابيع وشهور للعزلة المنتجة، هدفها في النهاية تقديم منجز إبداعي في فضاء صحي مناسب، وفي منتجعات تتصف بمنتهى الهدوء، والراحة، ولمن جرب مثل هذا النمط من الأسابيع والشهور في أوروبا وأمريكا، سيدرك قيمة هذه البرامج وأثرها في كتابته الإبداعية.
وكتب ملخصا لتجربته عبر عموده الصحافي بأن التجربة في هذا "المعتزل الحميم" تضاهي - إن لم تتفوق - على غيره من معتزلات وبرامج الكتابة في دول أخرى، ويكفينا شرف البدء بثقة واحتراف في إطلاق مثل هذه البرامج، متمنيا استمرارها وتنوعها، ومشاركة أكبر عدد من الكتاب والكاتبات، من الداخل والخارج، بما يؤصل مكانة المملكة ثقافيا كما هي مكانتها الكبيرة والمؤثرة عالميا على المستوى الاقتصادي، وكذلك ثقلها السياسي الإقليمي والعالمي.

46 ورشة عالمية
في 2020
معتزل الكتابة برنامج عالمي تجريه المؤسسات الثقافية، ويقبل عليه الكتاب المبتدئون، برفقة مذكراتهم أو أوراقهم، بجانب مكان جذاب أو طبيعة ساحرة أو موقع تاريخي، وتم تصميم هذه البرامج في بداياتها بحيث تشعر الكاتب بالهدوء التام، إذ لا تتضمن الغرف أجهزة تلفزيون أو صحفا أو هواتف، أو أي وصول للإنترنت.
ووفقا لموقع (the write life) المتخصص في الكتابة، فإن 2020 سيشهد إقامة أكثر من 46 برنامجا عالميا على غرار "معتزل الكتابة"، حيث يجمع الموقع أهم الورش حول العالم، التي يدفع لقاء بعضها مبالغ باهظة، ولا سيما إن كان يدير جلساتها مؤلفون محترفون، يوجهون خلالها الموهوبين والمبدعين في بداياتهم إلى تقنيات الكتابة وأدواتها، ويتشاركون في جلسات كتابة جماعية ونقاشية، ويراوح أسعار هذه البرامج من 65 دولارا في اليوم الواحد، إلى نحو ثلاثة آلاف دولار، بحسب الإطلالة والخدمات المقدمة من قبل الفندق أو المنتجع، وكذلك مدى شهرة المؤلفين المشرفين.
الجلسة في "المعتزل" أكبر من مجرد مكان هادئ بعيدا عن الإزعاج، فبعض المعتزلات تكون عبارة عن منتجع على الشاطئ، أو مكانا تراثيا ذا تاريخ عريق، أو جلسة في الحياة البرية، أو بين سفوح الجبال، أو إحدى المزارع العضوية النائية، في تجربة من أكثر التجارب إلهاما وروحية. وتشمل الأنشطة التي يمكن القيام بها في أماكن العزلة الكتابة، الاسترخاء، المشي، إجراء رحلات تاريخية واستكشاف المنطقة المحيطة، تخصيص أوقات للقراءة وأخرى للكتابة، مناقشات جماعية، مراجعة ما تمت كتابته مع الروائيين والمدونين ومؤلفي القصص، وصنع صداقات مع ذوي الخبرة. وتتطلب هذه الجلسات والورش نماذج مقنعة للمتقدم ترفق بطلب الالتحاق، وعادة ما تكون المقاعد محدودة لضمان الاستفادة الكاملة من "المعتزل".

"ناد للياقة"
الكاتب والصحافي أحمد السهيمي يقول عن "معتزل الكتابة" وإن هذا النوع من البرامج منتشر في العالم منذ أعوام طويلة، ويركز على ورش الكتابة، ويتم اختيار كبار الكتاب لها كمرشدين، والكتاب الموهوبين ليستفيدوا من المكان والزمان في إيجاد أفكار وكتابة أحداث.
ويصف السهيمي معتزل الكتابة بما يشبه بناد للياقة يرفع حماس الكاتب ويجمعه مع أقرانه، ويجعلهم يتنافسون في إمطار الأوراق بإبداعهم، وفرصة للكاتب ليريض ذهنه، ويخرجون في نهاية المعتزل بظهور يدفعهم لمزيد من الظهور، راجيا أن يكون معتزل القصيم بداية لمعتزلات ثقافية لا تنتهي في أراضي بلادنا الفسيحة الجميلة، وأن يكون على الأقل: معتزل في كل منطقة.

نصائح للاستفادة القصوى
صحيفة "الجارديان" وضعت في مجموعة من المقالات والتقارير حول برنامج معتزل الكتابة، وضمت معلومات حول مواقع هذه المعتزلات وطرق الانضمام إليها، وتكاليفها، وتناولت أيضا أساليب ونصائح ممن حضروا هذه البرامج، لعل أبرزها ترك الهواتف الذكية في المنزل، أو استخدامها في حال الضرورة، ومقاومة الرغبة في دخول منصات التواصل الاجتماعي وتفقد الرسائل الخاصة.
ويقدم أحد الكتاب خلاصة تجربته في هذا البرنامج، إذ كتب أن "المعتزل" فرصة لتعلم ما إذا كانت الكتابة ملائمة لك أم لا، مبينا أنه عرف شخصا من خلال تجربته أدرك أنه لا يحب الكتابة، وأن الأمر لا يستحق العناء، وفقا لرأيه.
فيما يروي مشاركون في البرنامج للمرة الأولى أن الملتحق بهذا النوع من البرامج عليه أن يكون اجتماعيا، قادرا على التواصل مع الآخرين، ناصحا بوضع هدف وجدول زمني لإنجاز الأنشطة والمهام الكتابية، مبينا أنه قسم وقته بين الكتابة، الأكل، التمرين، والتأمل، ووعد نفسه بكتابة ما لا يقل عن ألف كلمة يوميا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون