ثقافة وفنون

العري المعلوماتي .. دكتاتورية رقمية تجرد الإنسان من حرياته

يعيش إنسان العصر الرقمي على وقع مفارقة عصية عن التفكيك، قلة قليلة من السابحين في هذه العوالم على وعي بمأزقها، إذ لا يكاد المرء يدخلها حتى يضع نفسه بين طرفي نقيض، فبمقدار ما تتسع مدارات الحرية، التي يقتحمها المبحر في العالم الرقمي، تتزايد القيود، التي يلفها حول رقبته، حتى يتحول إلى مجرد رقم؛ أو بالأحرى رهينة، بين يدي جهة مجهولة.
يدفع سحر العوالم الرقمية الفرد إلى الكشف، طواعية وبرضاه، عن هويته الشخصية بأدق تفاصيلها؛ بما في ذلك أشياء مرتبطة بحياته اليومية والخاصة والحميمية، وهو أمام شاشة الحاسوب أو الهاتف النقال. ثم لا يلبث أن يستعمل هذا العالم الافتراضي أو العالم الواقعي بالنزول إلى الشارع، لاتهام السلطات بخرق القانون وانتهاك الخصوصيات، ومطالبة مؤسسات الدولة بسن تشريعات تضمن حماية المعطيات الشخصية، ناسيا أو ربما متناسيا أن شركات مجهولة في أقصى الأرض تعلم عنه ما لا يعرفه عن نفسه.
هو ذا "الإنسان العاري" نتاج العالم الجديد صنيعة التكنولوجيا، الذي شخص حالته الكاتبان الفرنسيان؛ مارك دوجان وكريستوف لابي، في كتابهما المشترك "الإنسان العاري- الدكتاتورية الخفية للرقمية"، الصادر قبل ثلاثة أعوام (2016)، والذي نقله الكاتب المغربي سعيد بنكراد قبل أسابيع إلى اللغة العربية. إنه الإنسان الخاضع للرقابة المستمرة التي تمثل تهديدا حقيقيا بالنسبة للحرية الفردية الإنسانية.
حولت الثورة الرقمية الإنسان الحديث إلى "إنسان عار"، يختزل في مجرد مستهلك ومنتج للمعطيات، يمكن استخدامها في عديد من المشارب، التي تمتد من التسويق والتجارة إلى الأمن والدفاع. بعدما انتزعت كبرى الشركات العاملة في حقل الصناعات الرقمية، وبأسلوب مهذب ولطيف، أقرب ما يكون إلى "الديكتاتورية الخفية"، أكبر قدر ممكن من المعطيات والبيانات، تتولى تخزينها في "مفكرة رقمية"، تبقى رهن إشارة العملاء، في سوق التداولات، ببورصة البيانات لمن يدفع أكثر.
يتولى أفراد العصر الرقمي تقديم ما لديهم من بيانات عن أنفسهم طواعية، فما قد يشتريه الإنسان أو يفكر في شرائه، وما يستهلكه أو ينوي استهلاكه، وصحته وأمراضه وأحلامه وآراءه وأذواقه واختياراته.. باختصار، كل العمليات التي ينجزها الفرد عبر الإنترنت، من شأنها أن تتحول إلى بيانات تستخدمها هذه الشركات حال فرزها ودراستها. بمرور الوقت امتلك ثلاث شركات فقط نحو 80 في المائة من البيانات الشخصية الرقمية للإنسانية، وهذا يشكل منجم الذهب الأسود بحسب المؤلفين، فقد توقعا أن يتجاوز رقم معاملات تداول البيانات، في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، 24 مليار دولار برسم عام 2016.
تخلص الإنسان من عبودية الأشخاص؛ الرق والاستعمار، في القرن الماضي، ليدخل في عبودية جديدة، يمكن وسمها بـ"العبودية الناعمة"؛ في القرن الـ21، تجسدها الشركات الكبرى في عالم الرقمنة، المتحكمة بكل خبايا العالم الافتراضي. تحول هذا الإنسان إلى أسير مسلوب الإرادة، لا حول له ولا قوة، تتلاعب به برمجيات هذه الشركات من مكاتب تقع على بعد آلاف الكيلو مترات، بينما هو مستغرق في أوهام صناعة مصيره بنفسه.
ليس القصد من وراء هذا الانحياز إلى نظرية المؤامرة أو ما شابه ذلك، من الأقاويل، التي تعفي صاحبها عناء البحث والتفكير، بقدر ما هو تأكيد لحقيقة جاءت في الكتاب، فمن أصل 13 خادوما من الخوادم التي تديرها مؤسسات، بغرض تسجيل الميادين في كل مواقع النت عالميا، تملك تسع شركات منها جنسية أمريكية، بمعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية تجمع بين يديها دليل الويب العالمي، فهي الراعية لشؤون استغلال وتخزين وتكرير المناجم الرقمية.
عرج الكتاب بعض المخاطر، التي ترافق مشروع إعادة صياغة الإنسانية التي تحمل الثورة الرقمية لواءه، لعل أولها "الديمقراطية" نفسها، فما يراج من انتشار للفكر الديمقراطي مجرد كذبة، وخير دليل هو التحكم الذي تمارسه هذه الشركات على عالمنا وعقولنا ورغباتنا ومؤسساتنا... إن العالم يتجه نحو الإعلاء من شأن التافهين، بحسب الفيلسوف الكندي آلان دونو، وإقامة حلف بين أصحاب المصالح أينما كانوا. بصيغة أوضح، تهدف "الثورة الرقمية إلى وقف الصدفة في الحياة".
إن قيم "الخلق" و"الإبداع" من شأنها كذلك أن تتأثر بما يجري، فالمفروض أن تنحصر قدرات العقل البشري، بعد فرض نوع من النمطية العالمية في السلوك. فسوق البيانات ستحول إلى ما يشبه مجرد آلة تتلقى التعليمات، ما عليها هي سوى أن تتفاعل معها بلا زيادة أو نقصان. ربما لن نبالغ بقولها إن ما يجري يسعى نحو تقريض الدولة (الديمقراطية/ المواطن) وسلطتها، وإعدام كل القوانين التي رافقت الإنسانية لقرون من الزمن. ويرهن في المقابل، العالم بأسره لقلة من الشركات، وهنا يمكن أن تفهم لماذا يتسارع عمالقة الرقمنة (فيسبوك مثلا) نحو إدخال نصف سكان الكرة الأرضية إلى عوالم الإنترنت.
لن يصدق كثيرون بأن الإنسانية حققت أكبر خرق معلوماتي في تاريخي، بفضل "العري المعلوماتي" لنحو ثلث سكان الكوكب، وهذا في حذ ذاته مؤشر خطير على ما نحن سائرون نحوه. إن هذه الشركات تتولى اليوم صناعة إنسان جديد مستهلك موجه، يتم التحكم عن بعد في نمط حياته وأذواقه واختياراته... وفوق ذلك كله يظل تحت المتابعة والمراقبة الصارمة.
لقد كذب القائل إن الخيال لا يتحول إلى حقيقة، فهذه الأفكار وغيرها مما يلهب عقولنا وأفئدتنا؛ ذات زمن ثمانيني جميل، في أفلام الخيال العلمي، يتحول إلى حقيقة ينخرط فيها الجميع بلا رفض أو مقاومة مثلما هو حال الأبطال والبطلات في الأفلام.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون