عندما يرفض العلم مؤشرات الأداء ويبقى المدير مصرا

|


قبل أن نخوض معا غمار هذا المقال، ليأذن لي القارئ الكريم، أن نذهب في رحلة قصيرة إلى عالم فلسفة العلم، فالعلم هو امتلاك الدليل على "وجود شيء ما"، وجودا حقيقيا، بمعنى أنه يؤثر في الأشياء من حوله ويتأثر بها، ومن يعمل في مجال العلم فهو مشتغل في البحث عن الدليل على وجود الأشياء في مجاله، ووجودها يراوح بين بسيطة ومعقدة الإثبات. فالقول بوجود "مرض" ما يتطلب أدلة أكثر بكثير من القول إن هذا المقال "موجود"، فهذا المقال لا يحتاج إلى أكثر من النظر إليه لمن يراه، فبمجرد أن تراه، تأكد لك يقينا، وأصبحت "تعلم" أنه موجود، لكن كي تخبر الناس أن هناك مرضا جديدا ينتشر، فعليك أن تقدم حشدا ضخما من الأدلة العقلية التجريبية لتثبت لهم ذلك، والأكثر صعوبة أن تقدم دليلا على "وجود" علاج له. لكن مشكلة العلم أكبر، بل الأدهى والأمر، هو أن تقنع أناسا بوجود شيء ما، وأن تقدم لهم إثباتا على وجوده، لكنك تخطئ في وصفه وتأثيراته. فمثلا، تجدد النقاش دائما حول الاحتباس الحراري، وهل هو موجود فعلا أم دورات طبيعية للكرة الأرضية؟ هل هو مرض بيئي أم تحول مرحلي طبيعي، فأيهما الموجود؟ هنا تتجلى أروع صور فلسفة العلم في الصراع بين النظريات المختلفة، لكن الأشياء تتعقد أكثر حتى نصل إلى أعقدها، وهو وجود العلاقات بين الأشياء، تلك العلاقات التي تحدد بشكل قاطع الوجود من عدمه، فلا معنى لادعاء وجود الاحتباس الحراري بينما لا أثر ولا علاقة له بالأشياء التي نؤمن مطلقا بوجودها مثل أنفسنا. تلك العلاقات مثل هذا الشيء يحرك ذلك الشيء، وهذا الآخر يتأثر بشيء من مثله، فكيف نثبت أن تلك العلاقات موجودة في الحقيقة وليست مجرد وهم وادعاءات صحافية زائفة، أو لتمرير قرارات طبقية تهدف إلى نقل الثروات دون وجه حق. فلسفة العلم - كما "القدرة" - ترتكز على ثلاث أثاف، الأولى أن نعرف الأشياء من حولنا بأسمائها، بمعنى أن نحدد اسما واضحا لها يجعلنا ندركها ونميزها عن غيرها بشكل قاطع "مثل الإيرادات"، تلك هي المعرفة، ثم كيف نفكر من خلال هذه الأسماء والمفاهيم "بمنهج" يقبله العقل ومنطقه حتى نستطيع الحصول على دليل ونقول إن هناك شيئا ما موجودا فيما بينها، وهذه الثالثة، إن الموضوع يشبه سلسلة من حلقات، فأنت تنطلق من معرفتك الحالية بالأشياء من حولك، التي آمنت بوجودها لتجمع أدلة حسية يقودك فيها العقل إلى إثبات وجود شيء ما جديد، وبهذا تزيد معرفتك وعلمك عندما تمتلك دليلك على هذا الجديد.
في الآونة الأخيرة، انتشرت حمى المؤشرات حتى أصبحت تجارة عالمية كبيرة، فمن السهل أن تصنع مؤشرا، لا أحد يمنعك من ذلك، صنف ما تشاء وفق ما تشاء، فيمكنك أن تجمع إيرادات الجهة مع مصروفاتها، وأن تقسم كل ذلك على رأس المال، ثم تقول إن هذا مؤشر. اصنع له الاسم الذي تريد، لكن هل هذا المؤشر موجود في الحقيقة فعلا، بمعنى هل يؤثر في الأشياء التي نفعها مثل أرباحنا وأسعار الأسهم؟ هل يمكنك أن تقنع الآخرين أنه موجود؟ لنأخذ - مثلا - مؤشرا ماليا مشهورا، وهو معدل السيولة Liquidity Ratio، هذا المؤشر يستند إلى قسمة الأصول النقدية كافة على إجمالي الديون التي يجب سدادها خلال عام، هنا نقول إننا نعرف الديون كمفهوم، ونعرف كيف نقيسها "فهي موجودة"، ونعرف النقدية والأصول التي تشبه النقدية، ونعرف كيف نقيسها. هذه الموجودات في العالم نضعها معا في معادلة منطقية وهي القسمة، لنقول للآخرين إن هناك شيئا جديدا اسمه معدل السيولة، ونقول إنه كلما كبرت قيمة هذا المعدل، كانت الشركة أو المؤسسة في أمان من الإفلاس، وإذا انخفضت قيمته، كانت مهددة بالإفلاس، فهو مؤشر على الإفلاس، ونحن نعرف بأن الإفلاس خسارة الأموال. مرة أخرى أقول، أن تضع مؤشرا، فإن ذلك أمر سهل، لكن أن تثبت أن العلاقة "موجودة" بينه وبين المفاهيم الأخرى المرتبطة به، فذلك هو العلم، وذلك هو التحدي. فالقول إن هناك علاقة "موجودة في الحقيقة" بين مؤشر السيولة والإفلاس قد استغرق بحوثا ودراسات من علماء المحاسبة حتى أقرت، وما زال هناك شك. وإذا كانت هذه هي الحال في أحد أكثر المؤشرات انضباطا، فكيف بملء الأرض من المؤشرات اليوم وليس هناك دليل علمي كاف على أنها حقيقية ومؤثرة ومرتبطة بما تدعي؟
هناك اليوم - وبسبب من آفة الجودة الشاملة - "هوس" بالمؤشرات، حتى أصبح البعض يضع مؤشرات على عدد موظفي المؤسسة لقياس الأداء المزعوم، ويدعي أن هناك علاقة بين هذه المؤشرات التي ابتكرها وأداء المؤسسة، وهو لم يقدم دليلا علميا واحدا على ذلك، بل الأخطر أن هذه المؤشرات قد لا تتناسب أبدا مع الجهة ولا أهدافها، فتعظيم الإيرادات بوصفه "مؤشرا"، قد لا يتناسب مع جهة أهدافها تقديم الخدمات. إن مثل هذه المؤشرات يعد مؤشرا غير حقيقي وغير فاعل وغير موجود مهما رصدت له من أرقام، وستنتهي هذه المؤسسة لأنها لم تحقق أهدافها مهما حققت من أرقام في مؤشراتها المزعومة. تلك هي مشكلة المؤشرات التي توضع دون سند علمي وتأصيل منطقي كاف، ومثل ذلك أن تضع سيف القياس على رقاب الطلاب لتقول إن هناك علاقة بين نجاح الطالب في الجامعة ودرجاته في القياس، فأنت - بلا شك - بعيد عن المنهج العلمي، وأنت في معاقله، ولست هنا مع أو ضد، بل مع العلم، وهنا أرفع رايته اليوم. قل ما شئت وضع ما تريد من مؤشرات، لكن لا تقل إن لها علاقة في الحقيقة إلا من خلال العلم. ضع ما تريد لأجل أي هدف تريد، لكن لا تقل إن ذلك من العلم في شيء، فالعلم مقدس.

إنشرها