ثقافة وفنون

الصحافة والتاريخ .. في نقد الصراع المصطنع

إن نفاد كتاب من المكتبات، بعد ثلاثة أشهر فقط من طرحه في الأسواق، إنجاز في حد ذاته، يحق للمؤلف أن يحتفي به، في زمن توالت فيه خيبات وهزائم أرباب القلم؛ فطوفان الصورة جرف الجميع دون استثناء. وبما أن لكل "قاعدة استثناء"، فطبيعة الموضوع وزاوية المعالجة ولغة الكتابة مجتمعة كانت -في نظر المؤرخ الطيب بياض- أسبابا وراء نفاد الطبعة الأولى من كتابه "الصحافة والتاريخ: إضاءات تفاعلية مع قضايا الزمن الراهن" (2019).
مبررات يضاف إليها استثمار الكاتب تجربته الأكاديمية والصحافية في التأليف، فقد أمضى ثلاثة أعوام في تدريس مجزوأتي "الاقتصاد والعولمة" و"الصحافة الثقافية"، ضمن مساق "تاريخ الزمن الراهن" لطلاب الدراسات العليا. تناسلت حينها الأسئلة الإبستمولوجية حول المعرفة التاريخية؛ خاصة ما ارتبط منها بالتاريخ الاقتصادي والتاريخ الراهن، تلتها تجربة صحافية، في هيئة تحرير مجلة "زمان" –النسخة العربية- المتخصصة في تاريخ المغرب، ومعها عمود رأي بعنوان "للتاريخ إضاءة"، تحولت مواده، مع تعاقب الشهور وتوالي الأعداد، من إضافة مفردة إلى إضاءات بصيغة الجمع.
كان هذا سياق تأليف كتاب، يسعى صاحبه إلى نزع فتيل الصراع بين الصحافة والتاريخ، كما أعلن عن ذلك في مستهل كتابه، حيث جاءت المقدمة بعنوان "في نقد الصراع المصطنع بين الصحافة والتاريخ". فأطروحة المؤرخ -عكس كل التوقعات- لم تكن ذات مضمون سجالي مع رجال الإعلام، بل حملت نفحة تصالحية توفيقية، تنتصر للتكامل والتفاعل بين الحقلين، سعيا منها إلى تقديم منتوج إعلامي تاريخي ينزع نحو العلمية، يتوافق والدور الملقى على عاتق المؤرخ في علاقته بقضايا عصره.
قسم أستاذ التاريخ الاقتصادي كتابه قسمين؛ أحدهما نظري إشكالي، أطره بسؤال قديم جديد هو "ما جدوى التاريخ"؟ واختار أن يعنونه بـ"التاريخ والصحافة، تبادل خدمات تقاطع غايات اختلاف آليات". شكل السؤال جسر عبور نحو تحليل ما سماه صنعة المؤرخ ومهنة الصحافي، وتفكيك آليات اشتغال كل منهما، مستعرضا نماذج معبرة في انفتاح كليهما على الحقل المعرفي للآخر. هكذا يكون المؤلف قد استثمر حسه النقدي، قصد تحرير مواطن الالتباس والتشنج في العلاقة بين الصحافة والتاريخ، مذكرا بمستويات تفاعلهما، فهما حقلان معرفيان متكاملان ومتقاطعان؛ متى استطاع الصحافي النفاذ إلى جوهر المعرفة التاريخية، ونجح المؤرخ في تسخير الإعلام لنشر وتقديم المعرفة التاريخية للقراء بشكل مبسط.
تضمن القسم الثاني الجانب التطبيقي، إذ سعى المؤلف في صفحاته إلى بيان قدرة المؤرخ على تناول القضايا الراهنة، والإحاطة بامتداداتها التاريخية من خلال توظيف المنابر الإعلامية. لذا حضرت باقة متنوعة من المقالات الصحافية "29 مادة"، كانت بمنزلة تطبيق لبعض أدبيات تاريخ الزمن الراهن في حقل الصحافة، غطت هذه المواد مجالات وقضايا عديدة، تفاعل معها الكاتب؛ من موقعه كمؤرخ، عبر نافذة العمود الصحافي؛ فنجد عناوين مثل "الاقتصاد والسيادة" و"ثقافة الاحتجاج" و"الجوار" و"الإصلاح الضريبي" و"ورش الإصلاح" و"من البوعزيزي إلى داعش"... وغيرها من المواد التي حاول من خلالها المؤرخ الصحافي المساهمة في بناء ورش جديدة تجمع بين الصحافة والتاريخ.
يترافع الكاتب على مدار صفحات كتابه، مستعينا بلغة عذبة وجميلة، في قضيتين أساسيتين، إحداهما مركزية الإنسان باعتباره مشتركا بين الصحافي والمؤرخ وباقي حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية. والأخرى مهمة الوساطة المسنودة إلى المثقف داخل المجتمع؛ سواء ارتدى جبة المؤرخ أم وشاح الصحافي، ففي كل الحالات -كما جاء في التقديم الذي وضعه إدريس كسيكس للكتاب- "المثقف مهتم بما يدور ويجري، يضع تخصصه وآليات عمله في خدمة ضرورة فهم وتحليل الوقائع والمستجدات فهما عقلانيا، يأخذ في الحسبان الحاضر والماضي، ليس كتراث منسيّ، لكن كمؤشر دال على ما هو قائم".
لقد أقدم المؤرخ الطيب بياض على كسر القاعدة التي تقول "التاريخ لا يولد كمرحلة إلا حين تموت هذه المرحلة، لأن ميدان التاريخ هو الماضي"، مستندا في نزعته تلك إلى المؤرخ الفرنسي مارك بلوك، صاحب الباع الطويلة في التاريخ الاجتماعي الفرنسي، الذي يؤكد أن "فهم الماضي لا يتأتى إلا بإدراك القضايا التي يطرحها الزمن الراهن، في إطار جدلية زمنية منتجة". فشرعية التاريخ -بحسب بلوك- تتجاوز حدود الشغف المعرفي والعلمي، بعدما صار من واجب المؤرخ أن يلتحف لباس المواطنة، ويستبطن المبادئ الأخلاقية والضمير المهني، قصد المشاركة في تشخيص أعطاب المجتمع، وتفسيرها وبلورة استراتيجيات تحد منها.
لا يتردد الكاتب في الدعوة إلى الحرص على التكامل بين المؤرخ والصحافي، حتى في زمن الصحافة الرقمية وسيادة الأخبار السريعة والتافهة أحيانا. فالصحافي سيبقى دائما فاعلا في التاريخ ومتفاعلا مع أحداثه، ومن سواه سيلعب هذا الدور في زمن الانعطافات الكبرى التي يشهدها التاريخ، على غرار ما نعيش على وقعه منذ أعوام! نعم، إن الاهتمام بحقل الحاضر يمنح إمكانية عريضة لملاحظة آثار ما هو صدفوي على ما هو بنيوي ومنسق ومنظم ومتوقع ومصمم.
من شأن الكتابة الصحافية المستعينة بالبحث التاريخي المتأني أن تلعب دور ضابط إيقاع، يتمتع بمصداقية لجم التسرع، وإطلاق أحكام القيمة الجاهزة والمنمطة، والقدرة على التحصين من تناول الوجبات الصحافية السريعة التي غالبا ما تصيب بتسمم الفهم، وعقم التحليل، لأنها تركن إلى تبسيط المركب وتسفيه المعقد. فبكل تأكيد تبقى للتاريخ عبرة، وله كذلك أدواته وآلياته التي يستعين بها لتقديم إجابات، وفهم لما يعتصر العصر من تعقيدات، ذلك أن فك هذه الكومة لا يستقيم خارج السياق التاريخي المفسر للمستبطن والخفي فيها، الكاشف لبيئة الاستنبات ومنحى التبلور ومسار التطور.
ما لا شك فيه أن القارئ يدرك الآن السبب وراء نفاد هذا الكتاب من الأسواق، فقد صرنا في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى هذا النوع من الكتابات، لعلها تساعد على مواكبة وتحليل الأحداث الساخنة والمتسارعة، دون السقوط في الضحالة والتبسيط والفهم المجتزئ والمتسرع لما يحدث، بعدما أضحت مثل هذه التجارب عملة نادرة في الوطن العربي، وصارت مثل هذه الأقلام التي تسخر الصحافة لممارسة التأويل بدل التحقيق في التاريخ أعز ما يطلب، في زمن التفاهة والرداءة والإسفاف.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون