مقترحات حول تجديد التعليم العالي العالمي «2 من 2»

|

طرحنا في المقال السابق سبعة تحديات يواجهها التعليم العالي على مستوى العالم. وشملت هذه التحديات: "العلاقة بين التعليم العالي وسوق العمل؛ وحاجة سوق العمل إلى وظائف تحتاج إلى تأهيل في أكثر من تخصص وليس في تخصص واحد فقط؛ وتزايد تكاليف التعليم العالي؛ وطول المدة اللازمة للحصول على درجة جامعية دون توثيق لإنجازات مرحلية خلالها؛ والمشكلة الاجتماعية للدرجة المساعدة، أي درجة ما قبل البكالوريوس؛ والحاجة إلى التعلم مدى الحياة بسبب تطور المعرفة المتسارع وضرورة الاستجابة لذلك؛ وكيفية الاستفادة من التحول الرقمي في مواجهة التحديات، وفي توسيع دائرة المستفيدين من التعليم العالي وتحقيق فاعلية أكبر وكفاءة أعلى لهذا التعليم".
في هذا المقال، سنطرح للنقاش ثلاثة توجهات مقترحة للتعامل مع التحديات وتجديد التعليم العالي. وتشمل هذه التوجهات: "تقسيم برامج التعليم العالي إلى وحدات مختصة؛ والتعاون مع قطاعات الأعمال في وضع مناهج بعض هذه الوحدات؛ والشراكة في بعض هذه الوحدات بين مؤسسات التعليم العالي، محليا ودوليا". وفي هذا الإطار سنحاول بيان كل من هذه التوجهات، ومناقشة أثرها في مختلف التحديات. وقد كانت دعوة "المنتدى الاقتصادي الدولي WEF" إلى "الابتكار في تطوير التعليم"، عبر "وثيقة مفتوحة White Paper" صادرة عن "المنتدى الاقتصادي الدولي WEF" في يناير عام 2017 عاملا محفزا على طرح التحديات في المقال السابق، وبيان التوجهات المقترحة في هذا المقال.
إذا بدأنا بالتوجه الأول الخاص "بتقسيم برامج التعليم العالي إلى وحدات مختصة"، نقول إن الوحدة هنا تشمل عددا من المقررات التي تتطلع إلى تحقيق هدف معرفي أو تدريبي محدد. فعلى سبيل المثال، قد تكون هناك وحدة تهتم بتغطية المعرفة الأساسية في مجال محدد؛ ووحدة بعد ذلك تركز على المعرفة العلمية المتقدمة في المجال ذاته. وقد تكون هناك وحدة تهتم بمهارات التواصل المهني وممارسة الأعمال والأنظمة والقوانين التي تحكم ذلك؛ أو وحدة تركز على مقررات مهارة تطبيقية مطلوبة.
وتكون لكل وحدة من هذه الوحدات المقترحة "شهادة تأهيل" تعبر عن الهدف المعرفي أو التدريبي الذي بنيت من أجله. ويكون بعض هذه الوحدات إجبارية على الطالب وبعضها اختيارية؛ كما يحدد للطالب عدد الوحدات التي عليه اجتيازها للحصول على "درجة البكالوريوس"، سواء كانت هذه الوحدات في إطار التعمق في تخصص واحد، أو الاستيعاب العام لعدد من التخصصات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التقسيم إلى وحدات يمكن ألا يقتصر فقط على "مناهج البكالوريوس"، بل يمكن أن يشمل بعض "مناهج الدراسات العليا" أيضا، بما ذلك الجانب البحثي، حيث توضع خطط البحوث في إطار "وحدات بحثية" تنظم "منجزات مراحل البحث المطلوب". وننتقل إلى التوجه الثاني القاضي "بالتعاون مع قطاعات الأعمال في وضع مناهج بعض الوحدات". سيكون الهدف المعرفي أو التدريبي أو البحثي لمثل هذه الوحدات مرتبطا باحتياجات السوق ومتطلباتها. ونأتي إلى التوجه الثالث المعني "بالشراكة في بعض هذه الوحدات بين مؤسسات التعليم العالي، محليا ودوليا". وربما تكون هذه الشراكة عبر الإنترنت ومعطياتها على المواقع التعليمية. وقد بدأ كثير من الجامعات الشهيرة بتقديم مقررات في مجالات مختلفة بهذه الطريقة كما أشرنا في مقالات سابقة.
تسهم التوجهات الثلاثة سابقة الذكر في مواجهة التحديات السبعة المذكورة فيما سبق. ففي تحدي "العلاقة بين التعليم وسوق العمل"، هناك دور لقطاعات الأعمال في وضع مناهج بعض "الوحدات" المطروحة. وفي تحدي "حاجة سوق العمل إلى وظائف تحتاج إلى تأهيل في أكثر من تخصص وليس في تخصص واحد فقط"، يسمح النظام المقترح للطالب باختيار وحدات مختلفة للحصول على درجة جامعية، ويفسح ذلك المجال أمام الطلاب لاختيار توجههم نحو التعمق في تخصص واحد، أو استيعاب عدد من التخصصات، تبعا لطبيعة الوظائف التي يتطلعون إليها.
ونأتي إلى تحدي "تزايد تكاليف" الدراسة، لنجد أن هذه التكاليف قابلة للتناقص في حال التمكن من تنفيذ بعض "الوحدات" عبر الإنترنت، ما يخفف أعباء الجميع، ويؤدي إلى خفض التكاليف على مؤسسات التعليم العالي والطلبة أيضا. وتشمل الوحدات المرشحة لمثل هذا التنفيذ تلك المشتركة بين عدد من مؤسسات التعليم العالي، سواء كانت محلية أو دولية. ويضاف إلى ذلك أن استخدام التقنية الرقمية بكفاءة وفاعلية في هذه المؤسسات يعزز أداءها ويحد من تكاليفها.
ونصل إلى تحدي "طول المدة اللازمة للحصول على درجة جامعية دون توثيق لإنجازات مرحلية خلالها". في هذا الموضوع، تواجه الوحدات المقترحة هذا التحدي بحصول الطالب على شهادة تأهيل عن كل وحدة يجتازها وتفيد شهادات التأهيل هذه أصحابها في سوق العمل لأن كلا منها يحمل هدفا معرفيا متكاملا. ونأتي إلى تحدي البعد الاجتماعي لمسألة "الدرجة المساعدة"، ونشير هنا إلى أن استيعاب نظام الوحدات لمناهج التعليم والتدريب في هذه الدرجة يسمح للطالب بتوسيع دائرة الوحدات التي يدرسها والحصول على درجة جامعية، إلى جانب تأهيله في وحدات التعليم الفني والتدريب المهني التي يختارها.
وفي موضوع تحدي "التعلم مدى الحياة LLL" استجابة لمستجدات المعرفة وسوق العمل، يمكن وضع "وحدات متجددة" تستجيب لتجدد المعرفة ومعطياتها في شتى المجالات، وذلك من أجل تمكين الخريجين السابقين من متابعة تجدد المعرفة وتحديث مؤهلاتهم في المجالات المختلفة. أما في موضوع تحدي "الاستفادة من التحول الرقمي" وتقنياته الحديثة والمتجددة، مثل تقنيات الذكاء الاصطناعي، فلا بد من إدراك مؤسسات التعليم العالي لما تقدمه التقنية الرقمية من فوائد، بشكل متزايد يتوافق مع معطياتها المتجددة باستمرار، إضافة إلى السعي إلى الاستفادة منها في التعامل مع جميع التحديات سابقة الذكر.
ليس "تجديد التعليم العالي" عملا فرديا، بل عمل خبرات متعددة، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى الدولي أيضا، خصوصا وقد بات للتعليم العالي معايير على مستوى العالم، وأيضا أنه يواجه تحديات مشتركة، وأمامه تحول رقمي مشترك. ولعل من المناسب الدعوة إلى مؤتمر دولي في هذا المجال؛ وليس ما قدمه هذا المقال سوى أفكار مستقبلية للحوار، والبحث عن مزيد من الأفكار.

إنشرها