اليوم العالمي للسعادة .. ومعايير تقييمها

|

"السعادة" تعبير عن مشاعر إنسانية فيها "الرضا عن واقع الحياة"، وربما "التفاؤل بالمستقبل"، وأحيانا "سعادة اللحظة"، إضافة إلى أمور أخرى كثيرة. ولسعادة الإنسان آثار مهمة عليه وعلى المجتمع حوله. فالإنسان السعيد غالبا ما يكون أكثر نشاطا وحيوية في بدنه، وأوفر دفئا في قلبه، وأنقى فكرا في عقله، وأوسع مدى في تطلعاته، وأوعى شعورا بالتزاماته؛ وهو بالتالي أكثر قدرة على العطاء و"الإسهام في تنمية المجتمع ماديا ومعنويا". وقد أدركت دول العالم مجتمعة ذلك، حيث أعلنت "الأمم المتحدة UN"، عام 2012 "أن يوم 20 آذار (مارس) من كل عام هو "اليوم العالمي للسعادة IDH".
سبقت إعلان اليوم العالمي للسعادة أصوات متعددة عن أهمية سعادة الإنسان في المجتمعات المختلفة؛ وكان بين هذه الأصوات من قام بوضع "معايير لتقييم هذه السعادة"، واكتشاف مكامن القوة، ومواطن الضعف فيها. ففي هذا الاكتشاف وسيلة للتعرف على متطلبات العمل على تطوير سعادة الإنسان في المجتمعات المختلفة تبعا لحالتها في المعايير المطروحة. ولعل أبرز هذه المعايير تلك التي أوردتها كل من: "مؤسسة جالوب Gallup" في دراستها "للعيش الرغيد Well-Being"؛ و"دولة بوتان Bhutan" في تحديدها "لإجمالي السعادة الوطنية GNH"؛ والأمم المتحدة في تقييمها "لدليل السعادة الدولي WHI" الذي يصدر سنويا، منذ عام 2012، مقيما حالة السعادة في دول العالم المختلفة، ومصنفا هذه الدول تبعا لذلك.
سننظر فيما يلي إلى "معايير السعادة الدولية" الواردة في المصادر الثلاثة سابقة الذكر، نظرة جامعة تأخذ في الحسبان جميع هذه المعايير سواء اتفقت عليها هذه المصادر كليا أو جزئيا، أو جاءت متفردة في أحدها فقط. ففي ذلك حصر لها يعكس تعددية التفكير بشأنها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المعايير تتميز بالتكامل والتوافق، بل التداخل أحيانا، ولا غرابة في ذلك لأنها جميعا تشترك في هدف السعادة. وقد قسمنا هذه المعايير إلى ست مجموعات رئيسة تشمل: الجانب الشخصي؛ والجانب الاجتماعي؛ والجانب الاقتصادي؛ والجانب الثقافي؛ والجانب الصحي؛ وجانب الحوكمة. وسنلقي، فيما يلي بعض الضوء على ما ورد في إطار كل من هذه الجوانب.
إذا بدأنا "بالجانب الشخصي" نجد أمامنا معايير متعددة. هناك معيار المعرفة العامة، بما في ذلك المعرفة المرتبطة بالمجتمع المحلي وتشريعاته وخدماته. وهناك فرص التعليم المتاحة للإنسان، وتمكينه من المهارات، والعمل المهني، ومجالات التوظيف، ومدى حرية اختياره لتوجهات المستقبل، وتكافؤ الفرص. ثم هناك سلوك الإنسان تجاه ذاته والآخرين، مثل استخدامه للزمن وتنظيم ساعات يومه، والعناية بذاته، ومن حوله، صحيا واجتماعيا ومهنيا. ويضاف إلى ذلك سلوكه المرتبط بالكرم والتبرعات التي يقدمها للآخرين، حيث يجري قياسها نسبة إلى "الناتج المحلي للفرد".
وننتقل إلى "الجانب الاجتماعي" الذي يتمتع بأهمية كبيرة في سعادة الإنسان. فالصداقة والعلاقات الاجتماعية أمور مهمة للإنسان. وتبرز هنا مسألة "اطمئنان الإنسان" إلى وجود ضمان اجتماعي يمكن أن يكون مصدرا للعون في حالات "الضيق". وليس المقصود هنا الضيق المادي فقط، بل أي ضيق آخر كالضيق الصحي، وضيق العزلة عن المجتمع، وغير ذلك. وتجدر الإشارة هنا إلى مقال سابق طرح دراسة أجرتها جامعة هارفارد، واكتشفت من خلالها الأثر الإيجابي المهم "للحياة الاجتماعية" في حياة الإنسان وسعادته. فقد رصدت الدراسة حياة عينة كبيرة من الناس على مدى أعوام حياتهم، منذ دخولهم الجامعة حتى تجاوز كثير منهم سن الـ90.
ونأتي إلى "الجانب الاقتصادي"، وجوهر السعادة فيه هو "الكفاية المالية" للإنسان، ومستوى معيشته، وجودة مسكنه. وغالبا ما يقاس ذلك "بالناتج المحلي للفرد"، أو بمتوسط دخل المنزل الواحد، ويتضمن ذلك مستوى القوة الشرائية لقيمة هذا الناتج. ويتفاعل الجانب الاقتصادي هذا مع جميع جوانب السعادة الأخرى، لأنه يشكل "مصدر تمكين" لكثير من المعايير المرتبطة بهذه الجوانب، بما يشمل ما تقدم منها، وما سيأتي فيما يلي.
ونصل إلى "الجانب الثقافي"، ويتضمن مدى الالتزام بالانتماء الثقافي من جهة، والقدرة على التعامل مع الثقافات الأخرى والتعاون مع أصحابها من جهة أخرى. في مجال الانتماء الثقافي، يتوقع من كل إنسان القدرة على التعبير بلغته الأم، والتمتع بمهارات حرفية ترتبط بثقافته، إضافة إلى إسهامه الثقافي، إن استطاع ذلك. أما في مجال التعددية الثقافية، فلا بد من الاهتمام بتفعيل قدرة الإنسان على التعامل والشراكة مع الآخرين من أصحاب الثقافات الأخرى، سواء في إطار الوطن الواحد أو ربما عبر الأوطان.
ويبرز هنا "الجانب الصحي" الذي يرتبط بصحة الإنسان البدنية والعقلية من جهة، والبيئة المحيطة وقضايا التلوث فيها من جهة أخرى. في مسألة الصحة البدنية تبرز العناية الصحية في تجنب المرض، إضافة إلى معالجة المرض حال حدوثه. وفي قضية الصحة العقلية، لا بد من تجنب الاكتئاب والقلق وعدم التركيز. أما في موضوع التلوث، فتقضي المعايير الاهتمام بالوعي البيئي، والحاجة إلى التركيز على الحياة البرية وإدراك فوائدها العامة، إضافة إلى أضرارها على الزراعة. كما تقضي أيضا بالتنبه إلى الحياة المدنية الحديثة التي تشهد تمددا في المدن؛ واختناقات مرورية فيها؛ ومحدودية في شوارع المشاة، والمناطق الخضراء أيضا. ويبرز أخيرا "جانب الحوكمة" المرتبط بجميع الجوانب الأخرى، بسبب تأثيره فيها، وتأثره بها، حيث يهتم هذا الجانب بالحقوق الأساسية للإنسان، وخدمات البنية الأساسية التي يحتاج إليها، مثل: النفاذ إلى الماء والكهرباء؛ والتخلص من الفضلات؛ وسهولة الوصول إلى المراكز الصحية التي يجب أن تكون موزعة وقريبة من الجميع؛ إضافة إلى مكافحة الفساد، وتأمين بيئة عمل مناسبة.
تعطي معايير السعادة المطروحة في المصادر الدولية الثلاثة نظرة واسعة إلى متطلبات تمكين سعادة الإنسان. وتمثل هذه المتطلبات عوامل أساسية لهذه السعادة، لكن يبقى هناك مجال لمزيد يعتمد على خصوصية كل فرد، وخياله ومشاعره والحالة التي يعيشها. ولعله يمكن القول في الختام: إن سعادة الإنسان تستوجب تنمية جميع هذه العوامل؛ وتحتاج أيضا، من كل فرد، إلى النظر إلى المستقبل بعين التفاؤل وروح الأمل.

إنشرها