تحقيق التوازن مقابل الشفافية «2 من 3»

|


رغم فوائد الشفافية إلا أن بعض البلدان لا يزال يحجم عن إتاحة المعلومات المفيدة بسهولة للاطلاع العام؛ فنحو 50 في المائة فقط من البلدان تسمح بالاطلاع العام بموجب القانون، ونسبة أصغر منها بكثير تمنح فعليا حق الاطلاع في الواقع العملي. ويمثل الحفاظ على الخصوصية سببا شائعا؛ وثمة شاغل آخر ألا وهو أن المعلومات يمكن أن يستغلها بعض اللصوص أو مرتكبي حوادث الاختطاف المحتملين. ومع ذلك، فمن الممكن بالتأكيد تحقيق التوازن الصحيح بين تلك المخاوف والفوائد الواضحة من الاطلاع العام. وفيما يلي بعض الاعتبارات المهمة: لا يعني الاطلاع العام بالضرورة نشر المحتوى الكامل لإقرارات الذمة المالية التي يقدمها موظفو العموم. فالمعلومات شديدة الحساسية مثل أرقام الحسابات المصرفية تظل سرية دائما.
يمكن أن تصمم طرق تناول الاطلاع العام لتناسب ظروف كل بلد على حدة، ومن الأمثلة على ذلك نشر إقرارات موظفي العموم رفيعي المستوى فقط.
هناك اعتراف متزايد بما في ذلك في الأحكام القضائية، أن المصلحة العامة تفوق الخصوصية الشخصية للموظفين رفيعي المستوى.
يمثل الكشف عن مالكي الشركات والكيانات القانونية الأخرى مثل الصناديق الاستئمانية، طريقة أخرى لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة. وتشير تقديرات البحث إلى أن 12 تريليون دولار -ما يقرب من 40 في المائة من جميع الاستثمارات الأجنبية المباشرة- تمر عبر شركات صورية فارغة لا ترتبط بنشاط اقتصادي فعلي، في حين أن هذه التدفقات ليست جميعها غير مشروعة، يمكن استخدام نقص المعلومات حول الشخص الحقيقي الذي يمتلك أو يتحكم أو يستفيد في النهاية من هذه الهياكل، ما يسمى المالك المستفيد لإخفاء المعاملات المشكوك فيها.
وينطوي المعيار الدولي لمكافحة غسل الأموال الصادر عن فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسل الأموال الذي يساعد على وقف التدفقات المالية غير المشروعة، على توصيات محددة لتعزيز شفافية الكيانات القانونية وملكيتها الانتفاعية. فيتعين أن تكون المعلومات الأساسية المحفوظة عادة في سجلات الشركة معلنة، مثل اسم الشركة ونوع التأسيس والوضع القانوني والعنوان وقائمة المديرين.
وينبغي أن تكون معلومات الملكية الانتفاعية متاحة دائما للسلطات القانونية المختصة، سواء كانت محفوظة في سجل أم لدى المؤسسات المالية أم الشركات ذاتها. وبالبناء على معيار فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسل الأموال، هناك جهود أخرى بارزة على المستوى الدولي، بما في ذلك جهود مجموعة العشرين والمنتدى العالمي التابع لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، انصب تركيزها على تعزيز شفافية ملكية الانتفاع.
ومع ذلك، فإن استمرار إساءة استخدام الشركات المجهولة للأغراض غير المشروعة كان وراء الدعوات المتزايدة للحكومات للتعجيل بالجهود وقطع شوط إضافي بإتاحة معلومات ملكية الانتفاع للاطلاع العام. وتلبية من الاتحاد الأوروبي لتلك الدعوات قرر الاتحاد ضرورة قيام البلدان الأعضاء بإنشاء سجلات ملكية انتفاع متاحة للاطلاع العام اعتبارا من عام 2020.
وإتاحة إمكانية الاطلاع العام لها فوائد كثيرة. فهي تدعم المؤسسات المالية في اتخاذ إجراءات العناية الواجبة على عملائها. كما أنها تعمل على تمكين الجمهور من مراقبة وتحليل مشتريات الوكالات الحكومية من السلع والخدمات "لمعرفة، على سبيل المثال، ما إذا كان للمقاولين علاقات مع مسؤولي العموم"، والتحقق من الإفصاحات المالية للمسؤولين، والمساعدة على التحقق من دقة المعلومات في السجلات وحسن توقيتها.
ويتولى عدد قليل من البلدان، بما في ذلك المملكة المتحدة والدنمارك، زمام الريادة في إنشاء سجلات عامة لملكية الانتفاع. وقد تعهد عديد من البلدان الأخرى بوضعها. ولإعطاء الأولوية للشفافية والبيانات المفتوحة مع معالجة مشاغل الخصوصية، ينبغي إيلاء الاهتمام المناسب لتوفير المعلومات الكافية لتحديد المالكين المستفيدين دون تقديم تفاصيل غير ضرورية وتحديد أساليب طلب الإعفاء من النشر على أساس كل حالة على حدة، على سبيل المثال في الحالات التي يوجد فيها دليل على وجود خطر كبير لوقوع أعمال عنف أو ترويع.
شراء العقارات وبيعها قد يكون وسيلة فعالة بشكل خاص لنقل العائدات غير المشروعة وغسلها واستثمارها. وأسباب ذلك واضحة: غالبا ما يكون من الممكن غسل أو استثمار مبالغ كبيرة من المال في معاملة واحدة مع حجب هوية المالك المستفيد عبر استخدام "الكيانات القانونية" ولم يغب هذا الخطر عن نظر السلطات الوطنية، خاصة في البلدان التي تكون فيها أسواق العقارات كبيرة ومفتوحة والأسعار سريعة الارتفاع.
ومن هنا جاءت أوامر الاستهداف الجغرافي، وهي أداة قامت وزارة الخزانة الأمريكية بتسخيرها لمعالجة هذا الخطر. ففي أوائل عام 2016، قامت شبكة مكافحة الجرائم المالية في الوزارة بإصدار أوامر مؤقتة تقتضي من بعض شركات التأمين على سندات الملكية في الولايات المتحدة تحديد الأشخاص الطبيعيين المستترين وراء الشركات التي تستخدم للسداد "النقدي بالكامل" مقابل العقارات السكنية الراقية في أجزاء من نيويورك وفلوريدا.
وكان الهدف من ذلك هو اختراق حجاب السرية المحيط بالمشتريات النقدية للعقارات الفاخرة باسم شركات صورية وكيانات قانونية أخرى. وبالطبع، فإن السرية قد تحمي خصوصية الجهات الفاعلة الشرعية تماما مثلما تحجب أعمال الجهات الفاعلة غير الشرعية. فمن المؤكد أن بعض أصحاب المنازل المتضررين هم من المشاهير أو الشخصيات العامة الأخرى التي تسعى إلى درجة معقولة من الخصوصية؛ أما الآخرون فيمكن أن يكونوا مجرمين يحاولون إخفاء تعاملاتهم عن عيون أجهزة إنفاذ القانون.

إنشرها