الوعي الاستثماري .. بين الأخبار ونشرة الإصدار

|


يذكر أحد التقارير الأجنبية المنتشية على خلفية اكتتاب "أرامكو" أن السعوديين يبيعون مساكنهم ليكتتبوا في "أرامكو" وهذه بالطبع مبالغة وتضخيم غير معقول لمستوى التفاعل المميز مع الاكتتاب الكبير. حتى لو كنا دائما نتطلع بشكل دائم لوعي مالي واستثماري أفضل، فالأكثرية المتزايدة اليوم ممن يطور أسلوب تقديره للمخاطر الطبيعية الموجودة في القنوات الاستثمارية بشتى أنواعها، ويجيد تقييم الفرص والاستفادة من المعلومات والآراء المهنية، وسيقرر في الوقت المناسب حجم الاكتتاب الذي يناسبه شخصيا. في أعوام سابقة، كان هناك من يكتتب في طرح جديد بناء على كلمة منفردة سمعها من صديقه وكان يقترض ليقوم باستثمار لا يعي مخاطره بشكل كاف، بينما اليوم أصبح يتابع ويسأل المختصين ويقرأ وينتظر مزيدا من المعلومات.
نستطيع أن نقول إن الوعي المالي والاستثماري في أجواء تطورية مستمرة، وأدعي أننا نشاهد القفزات في الوعي مع كل حدث مالي محلي معتبر. وهذا يعني أن فئات المجتمع التي لم تبن أساسياتها المالية بشكل مثالي في مراحلها العمرية المبكرة، تستفيد اليوم من التغيير الاقتصادي وتعيد تأهيل وبناء المفاهيم الاقتصادية الشخصية التي تؤسس لثقافة مالية جيدة يتبعها سلوك مالي واستثماري إيجابي بإذن الله. من الأمثلة على هذه القفزات التغير الذي حدث للسلوك الاستهلاكي بعد تغيير تكلفة المعيشة، ومنها كذلك ارتفاع الحساسية السعرية بعد تدشين ضريبة القيمة المضافة، ومنها كذلك إعادة النظر نحو جدوى وخيارات التمويل طويل الأجل بعد تنوع برامج دعم الحصول على مسكن، وأخيرا، إعادة التعرف على قائمة طويلة من المصطلحات والمفاهيم مثل التقييم والأرباح والعوائد المتوقعة وأهمية نشرات الإصدار وربما ربط ذلك بالأهداف الشخصية والمحفظة الاستثمارية بعد اكتتاب مهم وتاريخي مثل اكتتاب "أرامكو".
استغلال الأحداث المالية الكبرى التي تنطوي على خيارات استثمارية فرصة ممتازة لتحسين الوضع المالي، وهذا لا يكون فقط بقرار الاستثمار من عدمه، وإنما بالبناء على الحافز الاجتماعي المرتبط بهذا الحدث واستغلال التفاعل المستمر حوله للحصول على جرعة ثقافية ممتازة مليئة بالمعلومات الجديدة، والممارسات المثلى، والمقارنات المنطقية، والتوجهات الاستثمارية الجديدة. وتوضيحا لذلك، وبما أن معظم المحللين والمختصين الحصيفين أشاروا إلى انتظار نشرة الإصدار التي قد تكون صدرت اليوم أو على وشك الصدور، سأستعرض المكونات الرئيسة لنشرات الإصدار، وكيف يمكن قراءتها بشكل يسهم في صنع القرار، وقبل ذلك يغذي حصيلتنا المعرفية والمالية بمحتوى مميز يستفاد منه ويعزز الوعي المالي الشخصي.
بفحص صفحة المحتويات لإحدى نشرات الإصدار التي صدرت قبل عدة أشهر وتتجاوز 800 صفحة بملحقاتها، نجدها تبدأ بقائمة من التعريفات والمصطلحات المهمة ثم تدخل مباشرة في استعراض المخاطر المرتبطة بالشركة محل الطرح. وتفصل في المخاطر حسب أنواعها التي تشمل قائمة طويلة من مخاطر السوق والعملاء والمنافسة إضافة إلى المخاطر التشغيلية والتقنية والاستثمارية. ولا تتجاهل نشرة الإصدار بعض المخاطر الفنية المختصة مثل المسائل البيئية والمهنية والمحاسبية وتفاعل الشركة مع سوق الأسهم. وفي الحقيقة لا أجد أفضل من هذا المستند لربط الشركة محل الطرح بواقعها بطريقة تفصيلية منصفة ومعقولة، إذ يقدم المستند لكل نوع من أنواع المخاطر نبذة عن طبيعة الخطر، وحجم الأثر إن تحقق هذا الخطر، والآثار المترتبة على حدوثه. تعد هذه العناصر من المدخلات الرئيسة لعملية صنع القرار الاستثماري، ففهم طبيعة المخاطر وربطها بالعوائد المتوقعة، يحدد درجة قبولنا للاستثمار ويساعدنا على صنع القرار بشكل أفضل.
وبعد استعراض المخاطر في هذه النشرة النموذج، تأتي تقريبا 30 صفحة للحديث فقط عن السوق التي تعمل فيها هذه الشركة. فتذكر لنا عديدا من التفاصيل الهيكلية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتغييرات الديموغرافية والسلوكية المشاهدة أو المتوقعة، وبعض الملامح الاقتصادية على المستويين المحلي والدولي التي تؤثر في هذه السوق وكثير من المعلومات القطاعية الخاصة بالقطاع الذي تعمل فيه هذه الشركة. ثم تنتقل النشرة للحديث عن الشركة نفسها بتقديم نظرة عامة ورؤيتها ورسالتها واستراتيجيتها ومميزاتها وتحدياتها في استعراض طويل لنموذج الشركة الإداري والتشغيلي وكم هائل من المعلومات الخاصة بأعمال الشركة؛ تنتقل منه للحديث عن فريق العمل والهيكل التنظيمي ونماذج الحوكمة المطبقة وقواعدها السارية في هذه الشركة.
من الطبيعي أن تتحدث نشرة الإصدار بعد ذلك عن الخلفية المالية للشركة التي تعكس أداءها السابق والمتوقع إذ تبدأ بالسياسات المحاسبية وأهم النتائج المالية ثم تستعرض الميزانيات والمخاطر التي تؤثر في الوضع المالي للشركة وتختم ذلك بحقوق المساهمين وتعاملات الأطراف ذوي العلاقة وسياسة توزيع الأرباح. ثم تستمر النشرة في طرح مزيد من المعلومات الحيوية المهمة مثل استخدام متحصلات الطرح، وتنتقل بعدها للوائح والأنظمة ذات العلاقة بمجال عمل الشركة. من الأجزاء الرئيسة للنشرة، والمعلومات القانونية خصوصا تلك المرتبطة بأعمال الشركة وحوكمتها وعملية الطرح التي تحددها النشرة بتفصيل جيد. وأخيرا، تختتم النشرة بمعلومات وآليات الطرح نفسه، إذ تتحدث عن متعهدي التغطية ومصاريف الطرح وتعهدات الشركة بعد الإدراج وشروط وأحكام الاكتتاب. وبهذا، وباعتبار كل المعلومات المذكورة في هذه النشرات وما يلحق بها، وبربط المستثمر بين عوائد الاستثمار ومخاطره وبين وضعه الاستثماري الشخصي "مثل حجم وطبيعة التنويع في محفظته القائمة والوضع المخطط له"، يستطيع المستثمر أن يصنع قراره الاستثماري بكل ثقة. وفي الحقيقة، لا يمكن أن نتوقع من كل مستثمر فرد أن يقرأ نشرة الإصدار بالكامل أو أن يفهم ويعي كل مصطلح فني مذكور بها، لكن أخذها في الاعتبار قبل القرار الاستثماري أمر ضروري، وربط الفرصة الاستثمارية بالحالة الشخصية لا غنى عنه، وهنا يتطلب القرار تقدير الدراية والإحاطة بجوانب هذا الاستثمار وتحديد المصادر المختصة التي نثق بها وتساعدنا على صنع القرار بشكل منطقي وسليم.

إنشرها