تحقيق التوازن مقابل الشفافية «1من 3»

|


على البلدان تحقيق التوازن الصحيح وهي تكافح التدفقات المالية غير المشروعة، ففي عام 2011، ألقى وزير المالية الباكستاني خطابا عن الموازنة أمام المجلس الوطني الباكستاني، موضحا أن نسبة الإيرادات الضريبية في البلد إلى إجمالي الناتج المحلي، بلغت 9.2 في المائة جاءت في المركز قبل الأخير من إجمالي 154 منطقة اختصاص حول العالم. ففي بلد عدد سكانه 180 مليون نسمة، لم يقدم إقرارات ضريبة الدخل سوى 1.2 مليون شخص وشركة فقط.
وكان التهرب الضريبي قد بدأ في التفشي من القمة؛ إذ وجد مركز التقارير الاستقصائية الباكستاني أن 70 في المائة من رجال القانون في باكستان لم يقدموا إقراراتهم الضريبية في ذلك العام. لذا كان تشديد القوانين والعقوبات القائمة في ذلك الوقت يمثل تحديا. كذلك كانت زيادة قوة الإنفاذ ستعتمد في نهاية المطاف على الإجراءات التي يتخذها القضاة الباكستانيون الذين أغفل عديد منهم دفع الضرائب المستحقة عليه.
غير أن ذلك لم يثن عزم وزارة المالية التي اتخذت خطوة جريئة. ففي عام 2014 فوضت المجلس الفيدرالي للإيرادات لإعلان قيمة ضريبة الدخل التي تدفعها الشركات والأفراد سنويا. ويبدو أن هذا النهج غير المعتاد كان ذا أثر؛ ففي حين لا يزال الامتثال متدنيا، ثمة بعض الأدلة على تحسنه نتيجة مبادرة الشفافية التي أطلقتها الوزارة. ومع ذلك، لم يأت هذا التحسن دون ثمن. فمن خلال إلحاق الخزي بالمتهربين بهدف دفعهم لسداد نصيبهم العادل من الضرائب وتمكين المجتمع المدني والصحافيين من مساءلتهم إن لم يفعلوا اضطر جميع الباكستانيين إلى التخلي عن جانب من خصوصيتهم.
وفي جميع أنحاء العالم، يتزايد إدراك السلطات الوطنية لقيمة وتكلفة استخدام الشفافية لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة. فمن خلال زيادة احتمالات اكتشاف الخطأ تؤدي الشفافية إلى تحسين إنفاذ القانون وتعزيز المساءلة والثقة بالإجراءات والمؤسسات وردع السلوكيات غير الحميدة. ومع ذلك، فإنها تؤدي حتما إلى فقدان بعض الخصوصية لمن قد يكون لديهم أسباب مشروعة للحفاظ على سرية تعاملاتهم المالية، كالخوف من الجيران الفضوليين، وكتاب أعمدة النميمة في الصحف، وحتى من مرتكبي جرائم الاختطاف، لكن قبل أن نستكشف المفاضلات التي تقترن بالحل، فلنحدد المشكلة. إن مصطلح "التدفقات المالية غير المشروعة" مصطلح شامل يفهم منه عموما أنه يضم ثلاثة أنواع على الأقل من الأموال. أولا، هناك أموال تتولد عن أعمال غير قانونية، مثل الفساد والتهريب والاتجار بالمخدرات. ثانيا، الأموال التي يشكل تحويلها عملا غير قانوني؛ على سبيل المثال، تحويل الأموال لإخفاء الدخل من السلطات يشكل تهربا ضريبيا، حتى ولو تم توليد الدخل بطريقة قانونية. وأخيرا، هناك أموال موجهة لغرض غير قانوني، كتمويل الإرهاب مثلا. واللجوء إلى الشفافية لوقف هذه التدفقات ليس بالفكرة الجديدة، حتى إن كانت البلدان لا تزال تعمل على تحسين استخدامها لهذه الأداة القوية. وتقدم الأمثلة التالية مجموعة من المناهج للتعامل مع ما يترتب على ذلك من فقدان الخصوصية كأحد عناصر النجاح المعقدة باعتراف الجميع لكنها حيوية.
تشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن أكثر من 90 في المائة من البلدان استحدثت تشريعات تقتضي الإفصاح المالي من جانب بعض الموظفين العموم على الأقل. ومع ذلك، تتفاوت متطلبات البلدان ومستوى تنفيذها تفاوتا واسعا. وفي معظم الأحيان، يجب على المسؤولين الكشف عن جميع ما بحوزتهم من الدخل والأصول والخصوم أو بحوزة أفراد الأسرة المقربين، مثل الزوج أو الزوجة، سواء داخل البلد أو خارجها. وفي حالات أخرى، يجب عليهم أيضا الكشف عما لديهم من أصول هم المالك النهائي أو "المستفيد" منها. ومثل هذه الإفصاحات يمكن أن تساعد على المضي قدما في تحقيق أهداف مكافحة الفساد المتعددة، من الوقاية إلى الإنفاذ. ويمكنها أيضا المساعدة على مكافحة غسيل الأموال؛ على سبيل المثال، من خلال المساعدة على تحديد ما إذا كان العميل شخصية سياسية بارزة أو تسهيل إجراءات العناية الواجبة للعميل أو النهوض بجهود تتبع الأصول واستردادها.
وباستخدام لغة الإنترنت الحديثة، فإن إتاحة بيانات الإفصاح المالي للاطلاع العام تمثل فرصة قيمة لحشد المصادر. فإلى جانب الموظفين المدنيين المختصين، تقوم هيئات الرقابة والصحافيون وغيرهم بمراقبة إقرارات الذمة المالية، ما ينتج عنه في الأغلب خيوط ونتائج من شأنها تحفيز أو تقوية التحقيقات المتعلقة بالفساد. وعلى سبيل المثال، في عام 2009 اضطر رئيس وزراء كرواتيا إلى الاستقالة في أعقاب تقارير إعلامية شككت في مصدر ثروته؛ وكانت التقارير نفسها مدفوعة بصور تظهره وهو يرتدي ساعات باهظة الثمن لم تكن مدرجة في إقرار الذمة المالية الخاص به. وبالمثل، فإن أعضاء وسائل الإعلام أنفسهم هم الذين وجدوا حسابات مصرفية سويسرية لم يصرح بها وزير ميزانية فرنسا للسلطة المالية العامة.
تلك الفضيحة لم تؤد فحسب إلى التحقيق مع الوزير وإدانته في النهاية بتهمة الاحتيال الضريبي وغسيل الأموال، بل أدت أيضا إلى إصلاح شامل لنظام إقرارات الذمة المالية الفرنسي الخاص بالموظفين العموم، ليشمل إمكانية الاطلاع العام لأول مرة. وباختصار، من شأن إمكانية الاطلاع العام تحسين المساءلة وتعزيز تأثير الإفصاح في اكتشاف أفعال الفساد وملاحقتها قضائيا... يتبع.

إنشرها