FINANCIAL TIMES

تصدعات في فسيفساء إثيوبيا العرقية

قبل نحو شهر فاز آبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا، بجائزة نوبل للسلام. في إثيوبيا السلام نادر. في هجوم هو أحدث حلقة في سلسلة من الأحداث العنيفة، قتل نحو 70 شخصا في إقليم أوروميا في الأسبوع الماضي بعد أن اتهم جوار محمد، ناشط بارز ينتمي إلى الأورومو، رئيس الوزراء دون أن يسميه، بمحاول اغتياله.
تحيط أوروميا بأديس أبابا، عاصمة إثيوبيا. وهو واحد من تسعة أقاليم مشكلة حسب العرق في إثيوبيا، ويعيش فيه نحو 35 مليون شخص. يشكل الأورومو أكثر من ثلث سكان إثيوبيا المقدر عددهم بـ105 ملايين نسمة. لا أحد يعرف بالضبط عدد، أو نسب السكان لأن عدد الأشخاص أمر مثير للجدل من الناحية السياسية، كونه يعني ضمنا توزيع السلطات والموارد. ألغت الحكومة إحصاء نيسان (أبريل) للمرة الثالثة، متذرعة بعدم الاستقرار.
قاد الأورومو احتجاجات ضد الحكومة السابقة للجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، وهي ائتلاف من أربعة أحزاب حكم (من بعض النواحي، بنجاح كبير) إثيوبيا منذ الإطاحة بالديكتاتورية الماركسية عام 1991.
لكن بعد ربع قرن في السلطة، أصبح حكمها لا يطاق. بدأت احتجاجات الشوارع عام 2015 تقريبا في أوروميا ووصلت إلى أمهرة، ثاني أكبر إقليم من حيث عدد السكان، وتمكنت في نهاية المطاف من الإطاحة بالحكومة. مهد ذلك الطريق لآبي لأن يكون رئيسا للحزب ورئيسا للوزراء، وهو أول زعيم من الأورومو في البلاد منذ أكثر من ألفي عام.
كان أحد أسباب هذه الاحتجاجات هو هيمنة التجراي داخل الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الحاكمة، التي قادت حرب عصابات في أوائل التسعينيات. نسبة التجراي لا تتجاوز 6 في المائة من سكان إثيوبيا، لكنهم هيمنوا على صنع القرار والسلطة. تحت قيادة التجراي طبقت إثيوبيا خطة للتنمية الاقتصادية حولتها إلى قصة نجاح إفريقية هي الأقرب إلى قصص النجاح التي تحققت في آسيا.
كذلك توصلت الحكومة السابقة إلى ترتيب لتقاسم السلطة مع 80 مجموعة عرقية في البلاد. الدستور الجديد الذي صدر عام 1995 قسم البلاد إلى تسعة أقاليم على أساس عرقي. أتاح الدستور أيضا انفصال أي إقليم حال طلب أهله ذلك من خلال استفتاء، كما أتاح لأي مجموعة عرقية أن يكون لها وضع إقليمي إذا رغبت في ذلك. وتعد سيداما، وهم مجموعة جنوبية تضم 3.8 مليون نسمة (نحو 4 في المائة من السكان)، هي آخر من تحرك في هذا الاتجاه.
عندما أصبح آبي قائدا لبلاد الفسيفساء هذه، أطلق سراح آلاف من السجناء السياسيين، ورفع الحظر عن الأحزاب السياسية (حتى تلك التي تسعى إلى الإطاحة بالدولة بطريقة عنيفة) وخفف الرقابة على الإعلام. سعيه للإصلاح الليبرالي هو أحد أسباب فوزه بجائزة نوبل. لكن كان لذلك ثمن. يقول ويليام دافيسون، من "مجموعة الأزمات": "مع فتح الحيز السياسي وإضعاف سيطرة الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، ظهر جميع أنواع الخلافات الكامنة حول السلطة والموارد والهوية والأرض".
الخلافات أكثر من أن يسمح مجالنا هذا بحصرها، لكن إليكم بعض الأمثلة: مجموعة الأمهرة التي تضم نحو 20 مليون شخص في حرب كلامية مع التجراي على الأرض. كما أنهم يستاءون من قصة الأورومو التي مفادها أن الأمهرة هم الظالمون الذين احتلوا تحت حكم الإمبراطور منليك الثاني في القرن الـ19 أراضي الأورومو بطريقة وحشية. ويلوم التجراي آبي على إبعادهم من السلطة ويهددون بمغادرة الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي قبل الانتخابات التي من المفترض إجراؤها في أيار (مايو).
داخل أوروميا كان هناك عنف ضد الجيدو، وهم مجموعة تضم مليون شخص. اشتبك الأورومو مع العرق الصومالي على طول الحدود بين منطقتيهما. ويجادل جوار وأنصاره بأن آبي، على الرغم من أنه من الأورومو، يسعى إلى مركزية السلطة ويقمع حقوق الأشخاص الذين أوصلوه إلى السلطة من خلال مظاهراتهم.
من الصعب المبالغة في تقدير قوة هذا الشعور "القومي". في رحلة إلى إقليم تجراي هذا العام، سألني شخص ما إذا كنت قد زرت أي دولة أخرى. عندما بدأت بسذاجة بسرد أسماء بعض الدول، مثل فرنسا وكينيا، نظر إلي وكأنني لا أفقه شيئا. قال إنه كان يشير إلى "دول" أخرى في إثيوبيا.
ما يخشى منه هو أن آبي، خلال سعيه للتعامل مع هذه القومية الفرعية الشرسة، سيتخلى عن غرائزه الليبرالية ويتحول إلى الاستبداد. هناك دلائل على أن هذا يحدث بالفعل، كما يقول دافيسون، مضيفا أن الحكومة تلجأ الآن إلى إغلاق الإنترنت، والاعتقالات الجماعية، واستخدام القوة المميتة.
في الوقت نفسه، لا يزال آبي يدعو إلى فلسفة "مدمر" medemer، وهي كلمة أمهرية تعني القوة تكمن في التنوع العرقي. إنها فلسفة نبيلة. لكن في الأسبوع الماضي، كان المتظاهرون في جزء آخر من البلاد يحرقون كتابه الذي يحمل هذا الاسم نفسه.
في مرحلة ما ستحتاج إثيوبيا إلى تسوية سياسية جديدة تحفظ التوازن بين قوى الهوية، العرقية والقومية، المتنافسة. إثيوبيا هي إحدى أكثر قصص إفريقيا تفاؤلا. لكنها أيضا من بين أكثرها اضطرابا وعدم استقرار.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES