ثقافة وفنون

أدباء ومبدعون .. ظلمهم المجتمع وأنصفهم التاريخ

يرتبط عالم الأدب في أذهان كثيرين بقبليات تحولت إلى حقائق يقينية، فأضحى القبول والتسليم بها من البديهيات. نعم، لقد التصق الحديث عن الكتاب والأدباء بجملة من القواعد توشك أن تصبح "قوانين" لدى الجمهور، رغم ما يشوب هذه المسلمات من نسبية كبيرة. فإذا كانت القواعد الحقة تخضع للمبدأ المشهور "لكل قاعدة استثناء"، فكيف بأشباه القواعد والتوافقات التي درج العامة على عدّها قواعد.
ترسخ في أذهان الجماهير أن عالم الأدب وثيق الصلة بالشهرة؛ فلكل كاتب قراء، يهتمون بما يكتب، ويتابعون كل جديد يصدره، وبالمستوى التعليمي والثقافي العالي؛ فالأديب في أعين الجمهور، لا يستحق هذه الصفة حتى ينال الدرجات العلى في الدراسة والمعرفة، علاوة على السعادة والنجومية، لدرجة أن المعجبين غالبا ما يسقطون حياة الأبطال في الأعمال الروائية والقصصية على الحياة الشخصية للمبدع.
لكن واقع الحال ليس دائما بهذه الصورة الوردية التي يرسمها جمهور القراء عن كتابهم وأدبائهم، فالنبش في حيوات هؤلاء يكشف عن غرائب وعجائب، يصعب حقا التصديق بأنها تخص من نتلقى أعمالهم بنوع من الهالة والتقدير، ويبوئهم العوام مكانة الطليعة في نخب المجتمع، لما أنتجوه من أعمال فنية بصموا بها في سجل الإنسانية العريق.
استطاع أدباء مرموقون كسر "قاعدة" ارتباط الموهبة الإبداعية بالمستوى التعليمي والدراسي، فما أكثر الأدباء الذين حجزوا لأنفسهم مكانة ضمن قائمة روائع الأدب الإنساني، من دون أن يكونوا أصحاب شهادات جامعية، بل منهم من رفض الشهادات الفخرية التي منحت له بعدما سطع نجمه، مؤكدا بذلك أن الإبداع موهبة قبل أن يكون شيئا آخر.
عالميا، الروائي الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز صاحب نوبل للأدب (1982)، عن رائعته الخالدة "مائة عام من العزلة" (1968)، قلة تعلم أن الرجل من دون شهادة جامعية، فقد قرر مغادرة الكلية عام 1950 بعد محاولة فاشلة من أجل دراسة الحقوق، لينطلق في مغامرة الكتابة مخلفا أعمالا أدبية، من أجمل ما كتب على المستوى العالمي.
ينطبق الأمر ذاته على إرنست همنجواي؛ أحد رواد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي نال جائزة نوبل للأدب عام 1954؛ فالرجل قاطع الدراسات الجامعية، واكتفى بشهادة الثانوية العامة، التي سمحت له بممارسة الكتابة الصحافية التي أتاحت له فرصة تغطية ثلاث حروب، قبل الانتقال إلى رحاب الأدب، مفرغا ما في ذاكرته عن عوالم الحروب في أعمال إبداعية خالدة.
عربيا، كلنا نعرف الأديب المصري عباس محمود العقاد، وكم قرأنا له من نصوص في الصبا والشباب، فقد نيّفت مؤلفاته على مائة كتاب، ترجمت منها عشرات إلى لغات عالمية، وله في الشعر تسعة دواوين شعرية، وعدّه النقاد من مؤسسي مدرسة الديوان، التي تتبنى الخروج عن التقليد في الشعر العربي. منح الرئيس جمال عبدالناصر هذه القامة الإبداعية جائزة الدولة التقديرية، لكنه رفضها كما رفض الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة، وكأنه بذلك يبث رسالة مفادها أنه أديب ألمعي، رغم اكتفائه بالشهادة الابتدائية فقط.
لم يكن الحظ حليف كل من امتهنوا حرفة الكتابة والإبداع، فكثير من المبدعين لم يذع صيتهم إلا بعد وفاتهم بأعوام، فبعض الأسماء المحتفى بأعمالها في خانة الروائع الإنسانية في العصر الحديث، لم يعرها أحد اهتماما ولا عناية حين كانت على قيد الحياة.
فالأديب التشيكي فرانز كافكا (1883-1924) رائد الكتابة الكابوسية، الذي كان يكتب رغم كل شيء، "سأكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات"، لم تجد أعماله طريقا إلى النشر إلا بعد وفاته، ذلك ضد وصيته التي طلب فيها من صديقه ماكس برود أن يحرقها، وهو ما لم يفعله لحسن الحظ، فقد تحولت مؤلفاته بعد انتشارها إلى مصدر إلهام لكتاب عالميين كثر.
نشير في الحقبة الزمنة نفسها إلى المبدع الأمريكي هوارد لافكرافت (1890-1937) الذي استحق دون منازع لقب رائد أدب الرعب، فصاحب رائعة "نداء كتولو" أثر إلى جانب إدجار الآن بو رائد الحركة الرومانسية الأمريكية المشهور نسبيا مقارنة به، في نجاح عدد لا يحصى من كتاب أدب الرعب. ويعد بحسب ستيفن كينج "أعظم كاتب رعب في القرن الـ20"، إلا أنه بقي مغمورا لدرجة أن قراءه لا يعرفون اسمه الأول.
كان المصير نفسه من نصيب الشاعرة إيميلي ديكنسون (1830 - 1886) التي يعدها النقاد اليوم من واضعي أسس الشعر الأمريكي المعاصر، على الرغم من كونها لم تنشر سوى سبع قصائد باسم مستعار طيلة حياتها؛ فقبل إعادة الاعتبار إليها وإلى قصائدها التي تجاوزت 1800 قصيدة، لم تكن ديكنسون شيئا، فقد عانت عزلة شديدة، حولتها إلى امرأة غريبة الأطوار في بلدتها، وقد عبّرت عن ذلك شعرا بقولها "أنا لا أحد.. من أنت؟/ أأنت أيضا.. لا أحد؟/ هناك إذن اثنان منا.. لا تخبر أحدا/ فسوف ينبذوننا.. كما تعلم".
قد يطول بنا النبش في سير مبدعين لم تكن حياتهم مثالية كما تخيلها القراء، فقد دفع بعض منهم حياته ثمنا لإبداعه؛ فما أكثر الأدباء الذين قضوا منتحرين، أمثال الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث والكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف والروائي الياباني يوكو ماشيما والروسي فلاديمير ماياكوفسكي، بعد عجزهم عن التعايش مع واقعهم.
يبقى الدرس المستفاد من مختلف هذه التجارب وغيرها أن قوة إيمان الفرد بما يقوم به، واقتناعه بأفكاره مهما بدت مجنونة للآخرين كفيلان بضمان تحقيق ما يطمح إليه في العاجل أو الآجل. فلا التجاهل وإهمال المجتمع ولا المستوى المعرفي ولا غيرهما أوقفا الأسماء التي مررنا بها عن إنجاز ما هي مقتنعة به.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون