المصارف العالمية عرضة لنقص إمدادات الدولار

|

حين تشتري شركة طيران مكسيكية طائرات برازيلية، فمن المرجح أن تمول عملية الشراء من خلال قرض بالدولار الأمريكي تحصل عليه من بنك غير أمريكي. هذا مجرد مثال يوضح الدور الضخم الذي يقوم به الدولار الأمريكي في المعاملات المالية الدولية بين الأطراف المتقابلة غير الأمريكية.
فما الذي يحدث إذا وجدت المصارف غير الأمريكية أنها أمام نقص مفاجئ في الدولار؟ هذا هو ما حدث أثناء الأزمة المالية العالمية في الفترة 2007-2008 حين أحجمت الشركات المالية الأمريكية عن تقديم قروض دولارية لنظرائها الأجانب. وللحيلولة دون انهيار النظام المالي العالمي، قدم بنك الاحتياطي الفيدرالي قروضا طارئة تتجاوز قيمتها 500 مليار دولار إلى البنوك المركزية في الخارج حيث تستطيع إقراضها بدورها للمصارف المتعطشة للدولارات في بلدها الأم.
وكما يشرح الفصل الخامس في آخر عدد من تقرير الاستقرار المالي العالمي، تواصل المصارف غير الأمريكية القيام بدور رئيس في الإقراض بالدولار لمختلف بلدان العالم، حيث ارتفعت أصولها الدولارية بالفعل إلى 12.4 تريليون دولار منتصف عام 2018 بعد أن كانت 9.7 تريليون دولار في 2012، ولا تزال قريبة من مستويات ما قبل الأزمة كنسبة من أصولها الكلية. ورغم أن الإصلاحات التي أجريت بعد الأزمة عززت قوة النظم المصرفية حول العالم، فإن تحليلنا يوضح أن المصارف غير الأمريكية لا تزال معرضة لنقص إمدادات الدولار، ما قد ينقل الصدمات إلى اقتصاداتها الوطنية وإلى البلدان التي تقترض منها. والخطوة الأولى لمعالجة هذه المشكلة هي قياسها كما ينبغي؛ وقد وضعنا مجموعة من المؤشرات لمساعدة صناع السياسات على القيام بذلك.
كيف تحصل المصارف غير الأمريكية على الدولارات التي تحتاج إليها لتمويل أصول كالقروض التي تقدم لمشتري الطائرات البرازيلية المكسيكيين؟ على خلاف المصارف الأمريكية، لا يتوافر لهذه المصارف إلا حيز محدود للوصول إلى قاعدة مستقرة من الودائع الدولارية. ومن ثم، يجب أن تعتمد اعتمادا كبيرا على مصادر التمويل قصيرة الأجل وربما الأكثر تقلبا، كالأوراق التجارية والقروض المستمدة من مصارف أخرى. وإذا كانت هذه المصادر غير كافية، تتحول المصارف غير الأمريكية إلى أدوات تعرف باسم مبادلات العملات الأجنبية، وهي تنطوي على تكلفة أعلى وقد لا يمكن التعويل عليها في أوقات الضغوط.
استخدمنا ثلاثة مقاييس لتحليل انكشاف المصارف غير الأمريكية لمخاطر التمويل الدولاري وتعرضها لاحتمال نقص إمدادات الدولار. ويوضح أحد المقاييس أن الفجوة بين الأصول والخصوم المقومة بالدولار اتسعت إلى نحو 1.4 تريليون دولار، أو 13 في المائة من الأصول، بعد أن كان مقدارها تريليون دولار، أو 10 في المائة من الأصول منتصف 2008. هذه الفجوة التي تسمى فجوة التمويل عبر العملات تعكس مقدار التمويل الذي يتعين إيجاده من خلال أدوات مثل مبادلات العملات الأجنبية، ما يجعل المصارف أكثر تعرضا للخطر.
ووضعنا مقياسا آخر يركز على الأصول الدولارية عالية السيولة، التي يمكن بيعها بسرعة في أوقات الضغوط لتعويض الانسحاب المفاجئ للتمويل الدولاري. ويوضح هذا المقياس أن السيولة الدولارية تحسنت منذ الأزمة لكنها لا تزال أدنى من السيولة الكلية في الميزانيات العمومية للمصارف.
وهناك مقياس ثالث يعكس قدرة المصارف على تمويل أصولها الدولارية على مدار فترة زمنية طويلة باستخدام مصادر مستقرة. وهذا المقياس الذي نسميه نسبة التمويل المستقر بالدولار الأمريكي لم يتحسن إلا بدرجة متوسطة منذ عام 2008.
وكما أوضحت الأزمة، فإن زيادة تكاليف التمويل الدولاري يمكن أن تنتقل تداعياتها عبر النظام المالي العالمي. ويخلص تحليلنا إلى أن ارتفاع التكاليف يزيد احتمالات تخلف المصارف عن السداد في اقتصادات الموطن بالنسبة للمصارف غير الأمريكية التي تعتمد على التمويل الدولاري. والأكثر من ذلك أنها تزيد الضغوط في البلدان الثالثة التي تتلقى قروضا من المصارف غير الأمريكية، مع تعرض مقترضي الأسواق الصاعدة لأكبر المخاطر نظرا لعدم استطاعتهم إيجاد مصادر تمويل بديلة بسهولة. ونجد أيضا أن هشاشة التمويل بالدولار الأمريكي يمكن أن تعمل كأداة لتضخيم الآثار، إذ إن هذه الآثار السلبية تزداد بروزا كلما ارتفع مستوى التعرض على أي من المقاييس الواردة في الفصل.
على الجانب الإيجابي تشير دراستنا إلى عدة عوامل، بعضها مرتبط بالسياسة مباشرة، يمكنها العمل كأدوات مخففة للمخاطر، ما يتيح لصناع السياسات سبلا لحماية اقتصاداتهم حال نقص إمدادات الدولار. ويعد ضمان السلامة الكلية للنظام المصرفي، مع وجود مصارف تتمتع بمستوى أعلى من الربحية ورأس المال، من الوسائل الممكنة لتوفير هامش وقائي. ويمكن أن تكون زيادة حيازات المصارف من الاحتياطيات وسيلة أيضا لسد الفجوة إذا نضبت السيولة الدولارية. وأخيرا، يمكن لترتيبات مبادلة العملات بين البنوك المركزية التي تتيح الحصول على دولارات أمريكية أثناء فترات الضغوط أن تسهم بدور مهم أيضا في هذا الخصوص، مثلما فعلت أثناء الأزمة.

إنشرها