ثقافة وفنون

السياحة الثقافية .. من النظرية إلى التطبيق العملي

تجني المملكة العربية السعودية اليوم ثمرات فتح أبوابها للسياح من أنحاء العالم، بعد تفعيل التأشيرة السياحية لمواطني 49 دولة، أثمرت عن زيارة 24 ألف سائح خلال عشرة أيام فقط.
الحديث عن السياحة الثقافية في المملكة ليس بجديد، إلا أنه انتقل من مرحلة الدراسة النظرية إلى التطبيق العملي، بعدما شهدت المواقع التراثية والأثرية إقبالا من السياح الأجانب، للاطلاع على هذه الثقافة الضاربة في جذور التاريخ، ولا يزال يلفها كثير من الغموض.

تنوع ثقافي
السعوديون من الشعوب المثقفة التي تعتز بتاريخها وثقافتها، لعل ذلك هو أحد أسباب تزايد إنشاء المتاحف الخاصة، التي وصل عددها - في إحصائية أعلنتها الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني - نحو 144 متحفا خاصا، خمسها في العاصمة.
على المستوى الرسمي، اهتمت الدولة بوجود متاحف تهتم بتاريخ المملكة في كل منطقة من مناطقها، كما تضمنت "رؤيتها لعام 2030" إنشاء أكبر متحف إسلامي في العالم، مستندة إلى الإرث التاريخي للسعودية والعمق العربي والإسلامي.
أما آثارها فتعود إلى مئات الأعوام، تتضمن آثارا لمدائن صالح المسجلة في قائمة التراث العالمي، وحي طريف في الدرعية، وقرية ذي عين الأثرية، ومنطقة جدة التاريخية، وحصون وقلاع وقصور أثرية تتوزع في مناطق مختلفة، مثل قلعة الأخدود في نجران، وقصر برزان في حائل، وقلعتي وادرين والمويلح في تبوك، وقصور صاهود وإبراهيم ومحيرس وتاروت والقطيف، ومسجد جواثا في المنطقة الشرقية، وعين زبيدة التي بنيت في عهد هارون الرشيد، التي طالما روت بمياهها العذبة الحجاج وأهل مكة المكرمة.

الأسواق الحديثة ليست من اهتمامات السائح
في زيارة إلى المتحف الوطني في الرياض وفنائه وحديقته الفريدة، التقت "الاقتصادية" سائحا أمريكيا، استفاد من التأشيرة السياحية وإجراءاتها الميسرة، ليزور المملكة ويطلع على ثقافتها، مسجلا مشاهداته في دفتره الصغير، حيث يقول هنري لاركين "إن أقاربه عملوا قبل أعوام في "أرامكو السعودية"، وكانوا يروون له مشاهداتهم عن السعودية وتنوع تضاريسها وثقافاتها، وهو الأمر الذي شجعه على زيارتها حينما سنحت له الفرصة"، مبينا أنه يتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع مغردين سعوديين، دعوه إلى زيارتهم في المنطقة الشرقية، وهو ما ينوي فعله خلال الأيام المقبلة.
يروي هنري تفاصيل زيارته المتحف، قائلا "إنه أعجب بما شاهد"، مقترحا الاستفادة من بعض المساحات لعرض الأعمال التشكيلية لمشاهير الفنانين السعوديين، أسوة بمتحف اللوفر ومتحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، كما دعا إلى الاستفادة من شبكة الإنترنت في توفير مرشدين سياحيين، وتسهيل التواصل معهم عبر موقع هيئة السياحة مثلا، موضحا أنه يزور الأماكن السياحية في الرياض معتمدا على جدول وضعه بنفسه، ويستعين في تنقلاته بتطبيقات سيارات الأجرة، لعدم توافر حافلات للنقل العام بالقرب من الفندق الذي يقطن فيه.
وأضاف هنري أن "الثقافة السعودية غنية بما تحتضنه من مواقع"، معبرا عن حماسته لزيارة مدائن صالح في نهاية رحلته، بعد انتهائه من جولته في الرياض والمنطقة الشرقية، موضحا أنه تمكن خلال يومين فقط من زيارة بضعة مواقع تراثية مثل الدرعية، ومنطقة قصر الحكم والأسواق المحاذية له مثل سوق الزل والديرة ومركز المعيقلية، وتمكن من شراء بعض الهدايا التذكارية من هناك، لافتا إلى أنه غير مهتم بزيارة الأسواق التجارية الحديثة مثل المولات والسينما، كونها لا تلائم ذوقه، وفي ولايته التي جاء منها كثير من هذه المراكز، "والسياح من دول العالم سيشعرون بالمثل"، على حد تعبيره.
ولفت السائح الأمريكي إلى أنه يسجل مشاهداته للذكرى، وقد تثمر هذه المشاهدات بضعة مقالات على مدونته الخاصة، وقال لـ"الاقتصادية"، "مشاهداته تتضمن قصصا عن كرم الشعب السعودي، من خلال الشباب الذين عرضوا عليه المساعدة، وأمدوه بالمعلومات اللازمة احتراما لشعره الأبيض" كما يقول، "ولا سيما بعض الشباب الذين يعملون على سيارات الأجرة وعرضوا عليه توصيله مجانا، لكنه رفض"، مثمنا هذا الموقف.

100 مليون سائح
يعد الحديث عن الفوائد الاقتصادية والإحصائيات المتعلقة بالسياحة الثقافية شيئا سابقا لأوانه، إلا أن اقتصاديين ومتخصصين يؤكدون أنها ستكون موردا اقتصاديا مهما، خصوصا بعد استقطاب المملكة ملايين السياح وصولا إلى هدفها المتمثل في استضافة مائة مليون سائح، بحسب تصريح أحمد الخطيب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في حفل سوق عكاظ هذا العام، حيث من المأمول أن تصبح المملكة واحدة ضمن أكبر خمس دول سياحية في العالم.
وكان مسؤول في الجوازات السعودية أكد في تصريحات صحافية أن اختيار هذه الدول التأشيرة الإلكترونية نظرا إلى أنها تحتضن العدد الأكبر من السياحة على مستوى العالم، كاشفا عن فتح بقية الدول تباعا في المرحلتين الثانية والثالثة.
وعلى الطريق الصحيح نحو التعريف بكنوز المملكة واستقطاب السياح لزيارتها، افتتحت الهيئة الملكية في محافظة العلا أمس الأول معرض "العلا.. واحة العجائب في الجزيرة العربية" في معهد العالم العربي في باريس، يسلط الضوء على كنوز الحضارات القديمة التي تزخر بها محافظة العلا، التي ألهمت خيال المستكشفين ورواد علم الآثار، وسيكون فرصة لاكتشاف هذه الحضارة الفريدة، التي ربما لم يتعرف عليها بعض السياح إلا بعد وضعها على لائحة اليونيسكو للتراث العالمي عام 2008. يراهن أمير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان على طبيعة العلا وتراثها الثقافي الغني، وتاريخها الذي شهد على ممالك استوطنت المنطقة، بما في ذلك مملكتا دادان ولحيان، ومدينة الحِجر النبطية، التي توفر متحفا مفتوحا ووجهة استثنائية، غابت طويلا عن الخريطة السياحية، ويتطلع العالم إلى اكتشاف معالمها.
يشكل هذا المعرض الذي يستمر حتى 19 يناير المقبل فرصة للترويج للعلا، من خلال إبراز تراثها وطبيعتها وفنونها، فيما تستعد المنطقة لموسم شتاء طنطورة الثاني في 19 ديسمبر، الذي يستمر حتى 7 مارس 2020، بعد باكورة الموسم الناجح، الذي وفر لزواره مجموعة من العروض والفعاليات والتجارب الثقافية والفنية والتراثية، وصل صداها سريعا أنحاء العالم كافة، بشهادة مستخدمي وسائل التواصل وأخبار وكالات الأنباء والصحافة الدولية، التي تتمتع بمصداقية وسمعة مرموقة.

جواز عبور
كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد ضجت خلال الأيام الماضية بالمقترحات التي من شأنها أن ترفع عدد السياح إلى المملكة وتشجعهم على قضاء إجازاتهم فيها، والاستمتاع بزيارة الآثار والمواقع التراثية، من هذه المقترحات تبني برامج للسياحة الثقافية بالاستفادة من التجارب العربية في عجائب الدنيا السبع، مثل برامج زيارة الأهرامات في مصر، وبرامج زيارة مدينة البترا الأثرية في الأردن، وتدريب المرشدين السياحيين وتأهيلهم للتعامل مع السياح، ووضع برامج دبلوم للغات الثانوية المتخصصة كالهولندية والإيطالية وغيرها، ومخاطبة وسائل الإعلام العالمية للترويج لثقافة المملكة وحضارتها.
على نحو آخر، مملكة البحرين كانت لها تجربة ناجحة في مجال السياحة الثقافية، من خلال إطلاق هيئة الثقافة والآثار قبل بضعة أعوام جواز عبور السياحة الثقافية، عبارة عن دليل فيه أماكن تراثية بحرينية تستحق الزيارة، وفي إيطاليا أطلقت روما خريطة للسياحة الثقافية، تسمى "الرحلة الكبرى"، تشكل بوصلة الطريق للأوروبيين والأمريكيين الذين يشكلون النسبة الكبرى من المستفيدين منها.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون