ثقافة وفنون

الجوكر .. مبتسم بارع يكشف زيف الإنسانية

"إذا كنت بارعا في شيء فإياك أن تفعله مجانا"، إنها مقولة مشهورة لـ"الجوكر"، تلك الشخصية الشريرة التي انطلقت في القصص المصورة التي نشرتها "دي سي كوميكس"، وتطورت مع مرور الزمن إلى أن أصبحت شخصية يضرب بها المثل، في كثرة الغموض الذي يلفها، هذا الغموض يدفع بعديد من الأشخاص إلى متابعة كل جديد يصدر حول هذه الشخصية، التي ظهرت للمرة الأولى عام 1940 في فيلم "باتمان"، وتميزت بالجنون والخداع وغرابة الأطوار، واستمرت في ذهن المتابعين والنقاد الذين أسرعوا إلى مشاهدة النسخة الأخيرة من الفيلم Joker 2019.‬
تختلف هذه النسخة عن سابقاتها في البطل الذي جسد شخصية الجوكر، وهو الممثل واكين فينيكس، الذي حاول تقديم الشخصية بطريقة تختلف عن التي قدمها الراحل هيث ليدجر في فيلم باتمان The Dark Knight، كما استمد المخرج تود فيليبس أسلوب الفيلم الجديد وروحه من أفلام السبعينيات والثمانينيات الكلاسيكية مثل Taxi Driver وThe King of Comedy وA Clockwork Orange وDog Day Afternoon، لذلك جاء مختلفا، لكن هل هذا الاختلاف أضاف قيمة إيجابية إلى الفيلم؟‬

يصطنع البسمة
‫‬تدور أحداث فيلم جوكر حول آرثر فيلكس المهرج البسيط، الذي يطمح إلى أن يكون أحد أشهر مقدمي العروض الكوميدية، الذي يعاني في الأصل خللا عقليا ونفسيا، يتعرض لعديد من مظاهر القهر والاضطهاد التي تؤدي إلى إخراج أسوأ ما لديه وتحوله إلى شخص آخر، وخلال الفيلم سُلِّط الضوء على واقع مدينة جوثام التي تعاني مختلف الأمراض الاجتماعية، على عكس الأعمال التي تصدت لتلك المدينة الخيالية الشهيرة كافة، أبرزها أفلام باتمان، التي صورتها كمدينة مظلومة تحتاج إلى منقذ يهبط من سمائها، إنما فيلم جوكر صورها على حقيقتها كمدينة مظلمة، تستحق معاقبا يخرج من أرضها من صنيع مجتمعها المفكك الفاسد، صورها مدينة منقسمة إلى طبقتين إحداهما مريضة بالتسلط والأخرى مصابة بالخنوع، تم ذلك من دون إثقال الفيلم بتفاصيل زائدة، حيث برع السيناريو في ربط ذلك بشكل وثيق بشخصية الجوكر، الذي يتعرض لجروح عاطفية وجسدية من قبل أشخاص من المستويات كافة، وفي نهاية المطاف يسعى آرثر إلى الاتصال الإنساني، وهو شيء - للأسف - لا يعثر عليه حتى يصطنع وجها مبتسما، ويكشف بعنف عن النفاق وانعدام الإنسانية في المدينة.‬

الصراع النفسي
عند البطل
بما أن قصة الجوكر مألوفة لدى كثيرين، عمد المخرج إلى التركيز على شخصية الجوكر نفسها، حيث تفنن في رسم وإظهار تفاصيلها لجعلها أكثر إثارة للاهتمام، وجعل من صراعها النفسي الداخلي محورا أساسيا لبناء الفيلم، مع حفاظه على عنصر التشويق، حيث جاء الفيلم متزنا ومشوقا من البداية حتى الخاتمة، ولم يشعر المشاهد بالملل في أي فصل من فصوله، ولعل السبب يعود - إضافة إلى السيناريو - إلى أداء الجوكر الذي يعيش حياة مليئة بالصراع، ولقد برع في التعبير عن التحولات العديدة التي مرت بها شخصيته بنعومة وهدوء، بمعنى أن أداءه شهد تغيرا ملموسا مع تعاقب فصول الفيلم، لكن - في الوقت ذاته - ذلك التغيير لم يكن حادا أو مفاجئا حتى حين بلغ ذروته قرب النهاية، ما حافظ على وحدة الشخصية، وسيطر على الشاشة طيلة فترة الفيلم، وهذا أدى إلى ظلم طاقم الممثلين الآخرين، بما فيهم المخضرم روبرت دي نيرو، الذي استطاع جذب الانتباه في كل مرة يظهر فيها على الشاشة، خاصة أن شخصيته "موراي فرانكلين" رغم ظهورها القليل والمتقطع إلا أنها كانت محركا رئيسا للأحداث.‬

موسيقى تصويرية رائعة‬
تميز فيلم الجوكر بالموسيقى التصويرية التي كانت حاضرة بقوة في معظم فصوله، وكان لها دور درامي بالغ التأثير، حتى إنها كانت تحل محل الحوار في المشاهد الصامتة التي احتوى الفيلم على عدد كبير منها، كما بدت تلك النغمات نابعة من داخل الشخصيات، تحمل تعقيداته نفسها، وتخبطه ما بين دور الضحية المجبر على التعايش معه ودور الجاني المجبر الذي يُدفع إليه مرغما، كما أبدع المخرج في الإضاءة والألوان للتعبير عن المحتوى الدرامي ونفسية البطل المليئة بالتعقيدات والاضطرابات، حيث اعتمد الألوان الباهتة المشابهة لحياة البطل الخالية من الفرح، حتى إن عروضه الترفيهية الكوميدية كان يقدمها في أماكن باعثة للكآبة مثل مستشفى سرطان الأطفال، كما استغل أيضا الإضاءة الخافتة والظلال القاتمة لجعل صورة الفيلم بصفة تميل إلى الظلمة المثيرة للإحساس بالوحشة والاغتراب والتوجس على الدوام، هذا بجانب تصوير الشخصية الرئيسة دائما محاصرة داخل إطارات ضيقة خانقة، إما ممرات ممتدة مظلمة، أو حواف سلالم مرتفعة.‬

‬إيرادات عالية
‫استطاع فيلم الجوكر أن يحقق إيرادات عالية في ثلاثة أيام بعد طرحه، حيث وصلت إلى 234 مليون دولار حول العالم، وانقسمت بين 93 مليون دولار و500 ألف في الولايات المتحدة الأمريكية، و140 مليونا و500 ألف دولار حول العالم، في حين بلغت تكلفة الفيلم 55 مليون دولار،‫ وكان قد وجه عديد من المشاهدين النصائح إلى المقبلين على مشاهدة الفيلم بعد ساعات من عرضه في مختلف أنحاء العالم، التي تضمنت عدم مشاهدته في حال وجود بعض المشكلات النفسية للشخص، لعدم زيادته نسبة الاكتئاب وحدوث مضاعفات، ووصل تقييم الفيلم عبر موقع Rotten Tomatoes إلى 69 في المائة، بعد مشاركات وصلت إلى نسبة 2154 مشاركا، وهو ما يعد صدمة لكثير من المشاهدين المنتظرين مشاهدة الفيلم الجديد.‬
‬مَن الجوكر‬؟
الجوكر هو شخصية خيالية شريرة وردت في القصص المصورة التي نشرتها "دي سي كوميكس"، وهو عدو "باتمان" اللدود الذي تسبب له في عدة مآس في حياته الخاصة، وأثار الرعب والخوف في مدينة جوثام، الشخصية من تأليف كل من جيري روبنسون وبيل فنجر وبوب كين، استُخدمت الشخصية في عديد من أفلام "باتمان" منذ ظهورها، وتطورت مع تطور طرق التصوير والمعدات، آخر ظهور لها كان في فيلم "باتمان" The Dark Knight الذي أخرجه المبدع كريستوفر نولان، وكان من بطولة هيث ليدجر. ‬
كان الجنون والخداع وغرابة الأطوار من أكثر الصفات التي تميزت بها الشخصية، أما فيما يتعلق بولادة الشخصية، فأكثر القصص شيوعا هي عندما سقط في خزان نفايات للمواد الكيميائية التي تسببت في ابيضاض بشرته، وحولت شعره إلى اللون الأخضر، وشفتيه إلى الأحمر، معطية إياه مظهر المهرج، لكن في الإنتاجات الحديثة للشخصية ظهر كشخص غريب الأطوار، لديه ندبتان حول فمه الذي أصبح كفم مبتسم، وليعطي نفسه مظهر المهرج قام بتغطية وجهه بمساحيق التجميل.‬‬‬
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون