مهارة الفراق

|


كل واحد منا يضطر في كثير من الأحيان إلى مغادرة مكان أو شخص. لكن يختلف طريق المغادرة من شخص إلى آخر. هناك من يجعلها نهاية مأساوية. متخمة بالغضب والانفعال والتوتر. وآخرون يودعون بمهارة وود. يلوحون بالرحيل وترتسم على محياهم ابتسامة واسعة، ولسان حالهم يقول سنلتئم مجددا رغم الفراق.
أذكر مرة استقال زميل من شركة كانت تجمعنا متجها إلى العمل في جهة أخرى. كان هذا الرئيس مختلفا جدا مع رئيسنا. الاختلاف كان جسيما وملحوظا. فوجئنا عندما استقال، وفي الحفل الوداعي الذي أقيم، له بادر بالثناء على الرئيس، واعتذر عن أي تقصير بدر منه تجاهه أو العمل. ولم يكمل جملته حتى عانقه الرئيس قائلا: "لم أتوقع هذا السيناريو الجميل. توقعت أن تتجاهلني في هذا الحفل بينما أكرمتني". وتابع الرئيس الحديث معددا مناقبه والخسارة الكبيرة التي سنتكبدها إثر غيابه. فجر التصرف الجميل مشاعر عاطفية في قلوبنا وأعماقنا واندلعت من ألسنتنا حوارات تشيد بموقف زميلنا وفروسيته.
أنت راحل، فلا تشغل نفسك بالماضي. اذهب إلى محطتك الجديدة خفيفا رشيقا دون عفش يرهقك ويثقل كاهلك ويسود قلبك.
أنت ذاهب، فاحرص على الانطباع الأخير، اللحظات الختامية، فهي التي ترسخ وتبقى وتظل.
لا تعاقب نفسك بنهاية مريرة. قد تريحك لحظات، لكنها ستزعجك دهرا. تحرق مشاعرك وأحاسيسك وسعادتك. تطفئ بياضك ونصاعتك ونضارتك. تحيلك إلى شخص يحشد في داخله الحزن والضيق والكآبة. أثث أعماقك بنسيان المواقف الموجعة واحتفظ بالمشرقة والمنيرة.
أعظم خطوة تبتدرها تجاه من أساء إليك هي أن تبتسم وتمضي. تبادل الإساءة يجعلك تراوح مكانك، بل يعيدك إلى الخلف.
خلقنا لنتحرك ونتقدم ونعدو، لا لنتيبس ونثبت ونسكن فنأسن.
بيدك أنت أن تترك ذكرى عطرة أم مرة.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها