FINANCIAL TIMES

كالبشر .. النمل يخوض حربا دائمة تحت الأرض

منذ ثمانية أعوام، زرت بيرنارد مادوف في السجن لإجراء مقابلة معه. كانت واحدة من أكثر اللقاءات إثارة للقلق في حياتي المهنية.
الدخول إلى المجمع الفيدرالي الواسع في ولاية كارولينا الشمالية يتطلب رحلة مليئة بالأدرينالين، مع ساعات من ملء الاستمارات البيروقراطية، ونقاط التفتيش، والتواصل المتوتر مع حراس السجن. لكن عندما واجهناه أخيرا وجها لوجه في غرفة الزوار، كان قلبي يخفق، الأمر الأكثر إثارة للصدمة هو كيف بدا مادوف طبيعيا تماما.
تحدثنا لمدة ساعتين. لم يكن هناك شيء في سلوكه يدل على أنه كان محتالا، أو مجنونا، أو مختلا عقليا. على العكس بدا آسرا ومقبولا تماما.
"يبدو مثل أبي!" فكرت في نفسي، متأملة فيما لو قابلت مادوف قبل تفجر الفضيحة، لافترضت، مثل كثيرين آخرين، أنه يتمتع بصدقية تامة.
هل هذا غير عادي؟ لا، إن كان لنا أن نصدق الكاتب مالكولم جلادويل. اكتسب جلادويل شهرة – وثروة - من خلال نشر كتب مثل "نقطة تحول" The Tipping Point في عام 2000 الذي أشاع علم النفس البشري. في دراسته الجديدة، "التحدث إلى الغرباء" Talking to Strangers، ينظر إلى نزعتنا إلى إساءة فهم الآخرين. إنها مسألة ملحة بشكل متزايد بالنسبة إلى عصرنا الموسوم بالانقسام والأخبار المزيفة.
كيف يجب أن نفسر الإشارات التي نتلقاها من الآخرين؟ بالطبع، هذا مهم عندما يتعلق الأمر بالكشف عن احتيال. أحد الأسباب التي تجعل أشخاصا مثل مادوف وهو "إحدى دراسات الحالة التي أجراها جلادويل" يرتكبون جرائمهم على وجه التحديد هو كوننا نميل إلى الافتراض - بشكل خاطئ تماما - أن حدسنا سيخبرنا من يمكننا الوثوق به، ولا سيما إذا التقينا بشخص ما وجها لوجه.
"نعتقد أننا يمكن أن نرى بسهولة دواخل قلوب الآخرين بناء على أدنى التفاصيل"، حسبما يقول جلادويل.
وهو مهم كذلك من عدة نواح أخرى. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نعاني جميعا إذا أسأنا فهم الإشارات التي نتلقاها من الفئات الاجتماعية المختلفة. من طبيعتنا كبشر أن نفترض أن ثقافتنا هي تعريف ما هو "طبيعي"، واستخدام هذه العدسة عندما ننظر إلى الآخرين.
مع ذلك، فإن السمات التي نفترض أنها "عالمية"، مثل تعبيرات الوجه، يمكن أن تختلف اختلافا كبيرا بين الثقافات - وبالطبع داخل المجتمعات التي تتحدث اللغة نفسها.
جلادويل يصف، مثلا، كيف أن التفاعلات الاجتماعية بين مجتمعات السود والبيض في أمريكا يشوبها على الدوام سوء فهم، مع عواقب مأساوية. ويخلص إلى أن "(هذا) هو ما يحدث عندما لا يعرف المجتمع كيفية التحدث مع الغرباء".
جلادويل لا يقدم حلولا سهلة، بل في الواقع هو يعترف بأن سوء التفاهم هذا موجود في كل مكان لدرجة أنه "لا يوجد جزء سعيد ومبهج" في كتابه. إلا أنني وجدت منظورا أكثر بهجة في كتاب آخر صدر أخيرا، بعنوان "السرب البشري" The Human Swarm، بقلم مارك موفيت.
يغطي هذا الكتاب موضوعا مستبعدا (وللوهلة الأولى، غير ذي صلة) بشأن النمل. موفيت خبير مشهور فيما يتعلق بهذه المخلوقات، ويبدأ بتقديم أوصاف مبهرة لكيفية إنشائها أنظمة تنافس المجتمعات البشرية في التعقيد.
ويوضح كذلك بالتفصيل، بينما تتصادم الفصائل المختلفة، كيف أن النمل (مثل أعراق من الجنس البشري) يخوض حربا دائمة تحت الأرض. لن أنظر أبدا إلى نملة بالطريقة نفسها مرة أخرى.
بعد ذلك قدم موفيت نقطتين أكثر شمولا. أولا، يجادل بأن البشر (مثل النمل) يحتاجون إلى شعور بالهوية القبلية والانتماء، مع تحديد التخصصات بوضوح. لكنه، ثانيا، يصر على أن الطريقة التي يطور بها البشر هذه الهوية القبلية تختلف اختلافا جوهريا عن الحيوانات الأخرى.
فيما بين بعض الفصائل، مثل الشمبانزي، تظهر الثقة فقط من خلال الاتصال المباشر بين الأفراد في مجموعات صغيرة. في فصائل أخرى، لا تتعاون المخلوقات إلا إذا أمكن التعرف عليها فورا على أنها تنتمي إلى الفصيلة نفسها. النمل يقتل أي شيء تنبعث منه رائحة مختلفة.
لكن ما يثير الدهشة بشأن البشر - وإن كان نادرا ما يتم الاحتفال به - هو كيف نتسامح عموما مع الغرباء دون الحاجة إلى قتلهم على الفور. "إن الشعور بالراحة حول الأعضاء غير المألوفين في مجتمعنا أعطى البشر مزايا من البداية وجعل تكون الأمم ممكنا"، حسبما يقول موفيت. "الشمبانزي بحاجة إلى معرفة الجميع (حتى يتسامح معهم). النمل ليس بحاجة إلى معرفة أحد. البشر يحتاجون فقط إلى معرفة شخص ما (ليؤدي المجتمع وظائفه)".
هذا الإنجاز يستحق مزيدا من الاهتمام، لأنه لا يعمل إلا في حالتين. أولا، يجب أن يشعر البشر بالأمان في مجموعتهم (التي يشيرون إليها بالرموز والطقوس). ثانيا، لا يمكن استيعاب "الغرباء" بسلاسة إلا إذا تعلم الجميع قراءة الرموز المختلفة أيضا.
السبب في أننا أفضل من النمل هو بالتحديد لأنه يمكننا أن نحتفل بهويتنا الثقافية الخاصة، لكن في كثير من الأحيان نقبل هويات أخرى دون رد فوري عدواني.
ربما كانت هذه هي الإجابة عن "اللغز" الذي يقدمه جلادويل: يجب أن نشعر بالفخر بهويتنا الثقافية (ونرفض المفهوم الذي يمكن أن نكون معه جميعا مزيجا منسلخا من الثقافة)، لكننا نحتاج أيضا إلى إدراك أن الطريقة التي ننظر بها إلى العالم ليست عالمية.
إذا كنا نريد "التحدث مع الغرباء"، فعلينا أن نعلم أطفالنا (وأنفسنا) محاولة النظر إلى العالم من خلال عيون الغرباء - حتى لو كان علينا أن ندرك أننا لن ننجح حقا في ذلك.
هنا يكمن التحدي الدائم أمام الصحافي (فضلا عن عالم الإنسانيات). وللمجتمع الحديث ككل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES