الحاجة إلى مواجهة أقوى لتشوهات الاقتصاد

|

امتدادا للحديث عن مؤشرات الأداء الاقتصادي والتنموي عموما حتى منتصف العام الجاري التي جاء أبرز ملامحها على النحو التالي: النمو الحقيقي للاقتصاد 0.5 في المائة (1.6 في المائة للربع نفسه 2018)، نمو القطاع الخاص 3.4 في المائة (1.9 في المائة للربع نفسه 2018)، نمو القطاع النفطي 1.0 في المائة (1.2 في المائة للربع نفسه 2018). وعلى المستوى الهيكلي: نمو الزراعة 1.2 في المائة (0.7 في المائة للربع نفسه 2018)، نمو الخدمات 4.2 في المائة (2.9 في المائة للربع نفسه 2018)، انخفاض الصناعة 2.3 في المائة (ارتفاع 1.3 في المائة للربع نفسه 2018).
وفي جانب المالية العامة؛ تراجع إجمالي الإيرادات 4.7 في المائة (ارتفاع 66.9 في المائة للربع نفسه 2018)، ارتفاع إجمالي المصروفات 4.7 في المائة (ارتفاع 33.5 في المائة للربع نفسه 2018)، ارتفاع عجز الميزانية إلى 4.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (عجز 1.1 في المائة للربع نفسه 2018). وعلى مستوى سوق العمل؛ تراجع معدل البطالة إلى 12.3 في المائة (12.9 في المائة للربع نفسه 2018)، بالتزامن مع انخفاض معدل توظيف العمالة الوطنية 1.1 في المائة (ارتفاع 2.4 في المائة للربع نفسه 2018)، وهو ما يصعد بسؤال هيئة الإحصاء عن كيفية انخفاض معدل البطالة في الوقت ذاته الذي انخفض فيه معدل التوظيف.
خلاصة مؤشرات الأداء أعلاه، وغيرها مما لم يحضر ذكره هنا كنمو السيولة المحلية 3.6 في المائة (انخفاض 0.8 في المائة للربع نفسه 2018)، تظهر تحسنا أفضل مما كان عليه وضع الاقتصاد قبل نحو عام من تاريخه، لكنه حمل أيضا استمرار وجود تحديات اقتصادية وتنموية في عديد من نشاطات الاقتصاد الوطني، كارتفاع معدل البطالة على الرغم من تراجعه، وانخفاض معدل توظيف العمالة الوطنية، تحديدا في القطاع الخاص الذي سجل انخفاضا للربع الثالث على التوالي بنسبة 3.6 في المائة (ارتفاع 3.8 في المائة للربع نفسه 2018)، عدا استمرار معدل التضخم في المنطقة السالبة للربع الثاني على التوالي بنسبة 1.6 في المائة (ارتفاع 2.3 في المائة للربع نفسه 2018).
يضاف إلى جانب التحديات أيضا؛ استمرار ضعف النمو في الإنفاق الاستهلاكي الخاص الذي لم يتجاوز بنهاية الربع الثاني الماضي 3.4 في المائة (5.4 في المائة للربع نفسه 2018)، وهو ما سبق الحديث عنه في أكثر من مقام سابق كنتيجة متوقعة لضعف معدلات توظيف العمالة الوطنية، ولارتفاع نسب استقطاع القروض العقارية من الأجور الشهرية للمقترضين لها، وهو الذي يحمل في طياته عديدا من التحديات على كاهل الجميع لا المقترضين لتلك القروض فحسب؛ ذلك أن كلا الأمرين (انخفاض التوظيف، ارتفاع نسب الاستقطاع) سيؤدي إلى انكماش الإنفاق الاستهلاكي للأفراد والأسر، الذي سيؤدي بدوره إلى انكماش التدفقات الداخلة على مختلف منشآت القطاع الخاص، التي تعاملت في فترات سابقة مع تلك التحديات بالعمل على خفض تكاليفها التشغيلية (بنود التوظيف والاستقدام واستئجار المحال)، وقد تجد تلك المنشآت نفسها مضطرة للاستمرار في تلك المنهجية، التي قد تعني استمرار تراجع معدلات التوظيف، وهو ما يقتضي العمل منذ الآن على استدراكه بمزيد من سياسات التحفيز لتلك المنشآت، خاصة تلك التي تحتل ثقلا مهما في منظومة الاقتصاد الوطني، إضافة إلى تطوير برامج التوطين، وارتقائها إلى مراتب أكثر قوة، تستهدف المستويات الوظيفية العليا في القطاع الخاص.
كما أن دائرة التحديات الاقتصادية والتنموية واسعة، فالحلول والبدائل لمواجهتها تتمتع بقدر لا بأس به من التنوع وإمكانية التنفيذ على أرض الواقع. ذلك أن خلف تلك التحديات يجثم عديد من التشوهات الهيكلية التي لم تتعرض للضغط كما يجب، ومن أبرز تلك التشوهات التي ما زالت تتمتع بقدر كاف من القوة والوجود: (1) تخزين الأموال والثروات بأحجام طائلة في أصول خاملة كالأراضي، وانتظار ارتفاع أسعارها عبر الزمن، وهو ما يحدث فعلا أن ترتفع الأسعار، وتزداد وتيرة الارتفاع بمعدلات قياسية إذا ما سيطرت أي تشوهات على سوق العقار، كالاحتكار والمضاربة على مساحات شاسعة من الأراضي، ما يؤدي بدوره إلى ضخ عديد من الآثار السلبية في الاقتصاد الوطني، ووضعه تحت ضغوط هائلة تضعف معدلات نموه، وتزعزع ركائز استقراره.
(2) التستر التجاري، الذي يسلم زمام الأمور في القطاع الخاص إلى أيدي العمالة الوافدة، والاكتفاء بالشحيح من الأموال ثمنا لهذا التستر، مقابل منح الضوء الأخضر لحصاد مئات أو آلاف أضعافها لمصلحة العمالة الوافدة، ومن ثم ترحيلها إلى خارج الحدود، وتصبح الأمور أكثر تعقيدا، إذا ما تحولت الأثمان القليلة للتستر التجاري في مجموعها إلى ما يمكن ضخه في المضاربة على الأراضي، لتكتمل بذلك ضخامة تلك التحديات في طريق تقدم ونهضة الاقتصاد الوطني.
إنها أشكال بارزة من تشوهات الاقتصاد، يعني وجودها أيضا أن جزءا لا يستهان به من الأصول المنتجة التي يعول عليها في النمو الاقتصادي والتوظيف وتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، لم يعد لها أن تحقق كل ذلك أو حتى بعضا منه، بل تحولت إلى معول نهش لنمو الاقتصاد واستقراره، وإلى قناة أكبر لاستقدام مزيد من العمالة الوافدة على حساب توطين الوظائف، وكلتا النتيجتين لا تخدم بأي حال من الأحوال الهدف المأمول المتمثل في زيادة تنويع قاعدة الإنتاج.
كل هذا يقتضي بالدرجة القصوى أن يبادر واضعو السياسات والبرامج المستقبلية بالعمل المكثف والمستمر لأجل القضاء على مختلف أشكال تلك التشوهات القائمة في الاقتصاد، وتنقية الاقتصاد الوطني منها بأكبر قدر ممكن من القوة والحزم والجدية. والله ولي التوفيق.

إنشرها