FINANCIAL TIMES

على ألمانيا توخي الحذر عند تحفيز اقتصاد ذي سرعتين

الآن بعد أن خفضت المعاهد الاقتصادية الرائدة في ألمانيا توقعاتها لمعدل نمو أكبر اقتصاد في أوروبا، بات الضغط منصبا على برلين لاعتماد تحفيز أكبر عبر المالية العامة – ليس لتجنب ركود طويل فحسب، بل لتعزيز النمو الاقتصادي الإقليمي –القاري والعالمي، كذلك.
على أن هناك أيضا أسبابا وجيهة للمقاومة التي يبديها كثير من صناع السياسة النقدية والاقتصادية في ألمانيا.
من الممكن إيجاد طريقة للمضي قدما، على أنه يجب في المقابل تصميم مثل هذا التوسع في الموازنة العامة بعناية لمعالجة مخاوفهم المشروعة.
للوهلة الأولى، الحجج الداعية إلى مزيد من التحفيز تبدو واضحة: الاقتصاد يتقلص منذ فترة، وتشير بعض المؤشرات إلى أن هذا سيزداد سوءا.
التضخم منخفض 1.4 في المائة ومن الأرجح أن ينخفض أكثر بدلا من أن يرتفع.
هناك فرص واضحة لتعزيز الإنتاجية عبر الإنفاق على البنية التحتية وصولا إلى حزمة أكبر من الإنفاق تهدف إلى تحقيق الأهداف المناخية.
البلاد واحدة من الدول القليلة في العالم التي لا تعاني أعباء الديون المرتفعة وخدمة الديون.
هذه الحجج المحلية تتضخم بسبب الاعتبارات الإقليمية والدولية. لا يمكن للاتحاد الأوروبي بل القارة الأوروبية، تحمل خسارة ألمانيا كقوة إقليمية على المدى القصير.
سيكون من الأسوأ بكثير إذا تراجعت البلاد، ما يؤدي إلى جرجرة الآخرين معها إلى الأدنى، ولا سيما الدول التي تعاني ديونا مرتفعة مثل إيطاليا منفردة، أو ضمن مجموعة دول بيجز (البرتغال وإيرلندا وإيطاليا واليونان وإسبانيا).
على المدى الطويل، الصحة الجيدة لاقتصاد ألمانيا مسألة حاسمة لرفاهية أوروبا، وبالتالي للمشروع التاريخي للتكامل الإقليمي - القاري.
علاوة على ذلك، تواصل ألمانيا إدارة واحد من أكبر فوائض الحساب الجاري في العالم. هناك توقع متعدد الأطراف، إن لم يكن التزاما أخلاقيا، بإعادة توازن ألمانيا، خشية أن تسهم عن غير قصد في وضع أعباء التكيف المفرطة على الاقتصادات العاجزة الأضعف.
لا عجب أن التحفيز الألماني من المالية العامة يصنف من بين الأشياء الأولى، إن لم يكن الشيء الوحيد الذي يشير إليه كثير من الخبراء عند سؤالهم عن طريقة مساعدة الاقتصاد العالمي.
مع ذلك، بقدر ما تبدو هذه الحجج مقنعة، إلا أنها تخضع لأربعة تحفظات مهمة على الأقل:
أولا: تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا يخفي تعايش اقتصادين مختلفين ضمن البلد الواحد.
من ناحية، القطاع الذي يعتمد على التصدير يعاني انخفاض نمو الطلب العالمي، وعدم اليقين بسبب "بريسكت" والحروب التجارية والتكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة.
يزداد الوضع سوءا من حقيقة أن قطاع السيارات الكبير فيها يعاني تغيرات هيكلية، وسط التحول إلى السيارات الكهربائية وذاتية القيادة.
من ناحية أخرى، فئة الاقتصاد الموجهة محليا، بما في ذلك الخدمات لا تزال مزدهرة، ما يؤدي إلى انخفاض معدلات البطالة وارتفاع معدلات التوظيف.
ثانيا: على أن الدرس المستفاد من السياسة النقدية غير المنضبطة للغاية التي أطلقها البنك المركزي الأوروبي، هو أن التحفيز ليس كافيا – وقد يجادل البعض بأنه غير ضروري حتى من أجل رفع القيود الملزمة على أداء اقتصادي ألماني وأوروبي أفضل.
أسعار الفائدة السلبية وبرنامج التسهيل الكمي فشلا في تعزيز الطلب فعليا.
يخشى المشككون بصدق أنه قد ينتهي الأمر بهما إلى أن يكون ضررهما أكبر من نفعهما، من خلال تشجيع الإفراط في اتخاذ المخاطر المالية، وتشويه تخصيص الأصول على مستوى الاقتصاد، بما في ذلك دعم الشركات "المثقلة بالديون" وأنشطتها.
ليس من الواضح ما إذا كان التحفيز من المالية العامة سينجح بشكل أفضل بكثير.
ثالثا: الحفاظ على المرونة المالية يبدو أكثر أهمية الآن. السياسة النقدية نفدت منها الذخيرة، لذلك سنحتاج إلى شيء آخر لمواجهة التراجع الاقتصادي الأعمق في وقت لاحق.
بما أنه لا يوجد كثير مما يمكن أن يفعله التحفيز لتعويض تأثير عدم اليقين بشأن التجارة العالمية، قد يبدو من الحكمة إبقاء "البارود المالي" جافا في الوقت الحالي.
أخيرا، التحفيز السابق لأوانه يمكن أن يحبط الإصلاحات ليس في بلدان منطقة اليورو الأخرى فحسب، بل أيضا داخل الشركات. مثل هذه التغييرات هي جزء مهم من الرخاء الإقليمي الدائم.
مع ذلك، هذه الاعتراضات لا تجتمع لتشكل حجة ضد التحفيز من المالية العامة. بدلا من ذلك، تشير إلى الحاجة إلى تصميمها بعناية فائقة.
حتى تنجح، ينبغي أن تركز حزمة التحفيز على مجالات من الأرجح أن تزيد النمو، مثل تحديث البنية التحتية والرقمنة وتعزيز رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب. كما ينبغي أن تكمل الحكومة أي حزمة بمزيد من الجهود لتحرير وإصلاح الاقتصاد المحلي.
ينبغي للتحفيز الحكومي تجنب المنافسة مع القطاع الخاص والبقاء خارج الصناعات التي لا تواجه أي قيود في التمويل.
ستكون ألمانيا محقة في جعل جهودها مشروطة بالتقدم في أماكن أخرى في أوروبا. ينبغي للدول الأخرى أيضا إيجاد طرق لزيادة النمو وتعزيز البنية الاقتصادية والمالية الإقليمية.
على الرغم من جاذبيته الظاهرة، إلا أن التحفيز الألماني من المالية العامة ليس علاجا سحريا.
يمكنه كذلك، بل ينبغي له أن يعمل عامل تحفيز مساعدا لجهود على مدى منطقة اليورو للتعامل مع التحديات الدائمة أمام النمو العالي والشامل. الكاتب كبير المستشارين الاقتصاديين في شركة آليانتز والرئيس المنتخب لكلية كوينز في جامعة كامبريدج.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES