تقارير و تحليلات

خفض إنتاج النفط «دواء ذكي» للاقتصاد السعودي .. والقطاع غير النفطي علاج المرحلة

ضغط انخفاض إنتاج وأسعار النفط السعودي "العربي الخفيف" على الناتج المحلي للقطاع خلال الربع الثاني من العام الجاري، ما دفعه إلى الانكماش بنسبة 3 في المائة، إلى 270.3 مليار ريال، مقارنة بـ278.7 مليار ريال في الفترة نفسها من العام الماضي.
لكن يبقى خفض الإنتاج "دواء ذكيا" تقتضيه الضرورة في محاولة من منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" و"مستقلين" من خارجها للحفاظ على استقرار سوق النفط بما يخدم المنتجين والمستهلكين معا، والاقتصاد العالمي بالتبعية.
السيناريو البديل لخفض الإنتاج ستنتج عنه زيادة في المعروض النفطي في السوق، بالتالي انخفاض الأسعار، ما يؤدي في النهاية إلى تضرر الناتج المحلي السعودي، لكن هذه المرة بكميات إنتاج أكبر وبالتالي أكثر ضررا.
يكمن ذكاء خفض الإنتاج في كونه يحفظ الأسعار من الهبوط، كما أنه يحول دون إنتاج براميل أكثر من السعودية، ما يؤدي إلى الاحتفاظ بكميات أكبر من النفط في باطن الأرض تفيد الأجيال القادمة أو يُلجَأ إليها وقت الضرورة.
على الجانب الآخر، تركز "الرؤية السعودية 2030" على القطاع غير النفطي لتنويع مصادر الدخل وتحقيق نمو مستدام في المستقبل.
ونظرا إلى هذا التركيز، دَعّم القطاع غير النفطي نمو الناتج المحلي في الربع الثاني 2019، لينمو الاقتصاد بنسبة 0.5 في المائة، بفضل نمو القطاع غير النفطي بنسبة 2.94 في المائة وهي أعلى وتيرة نمو للقطاع في أربعة أعوام.
وطفرة القطاع غير النفطي جاءت نتيجة الانتعاش الذي شهده القطاع الخاص، حيث حقق نموا نسبته 3.4 في المائة، وهي أعلى وتيرة خلال ثلاثة أعوام ونصف.
وعليه فالقطاع غير النفطي ولا سيما القطاع الخاص، هو علاج المرحلة الحالية والمستقبلية للاقتصاد السعودي، كونه يحقق معضلة تنويع الاقتصاد التى تعول عليها "رؤية المملكة 2030"، التي تُعد حجز الزاوية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الطموح.
وتعول "رؤية السعودية 2030" كثيرا على القطاع الخاص، حيث تستهدف رفع نسبة مساهمته في الناتج المحلي إلى 65 في المائة بحلول عام 2030، فيما حصته في الربع الثاني 40.7 في المائة من الناتج.
ونظرا إلى تلك الجهود سجلت الأنشطة الاقتصادية غير النفطية انتعاشا في الربع الثاني بأسرع وتيرة منذ أعوام.
واستند تحليل وحدة التقارير في صحيفة "الاقتصادية"، إلى بيانات سعودية رسمية، منظمة "أوبك"، والمبادرة المشتركة للبيانات النفطية "جودي".
يتكون الناتج المحلي السعودي من قطاعين تنظيميين، القطاع النفطي، والقطاع غير النفطي "يشمل القطاع الخاص والقطاع الحكومي".

لماذا انكمش القطاع النفطي؟

انكمش الناتج المحلي للقطاع النفطي السعودي في الربع الثاني من 2019، بعد أن خفضت المملكة إنتاجها بنسبة 3.7 في المائة، إلى 9.8 مليون برميل يوميا، مقارنة بـ10.1 مليون برميل يوميا في الفترة ذاتها من العام الماضي.
وبدأ أعضاء "أوبك" ومنتجون مستقلون بقيادة روسيا مطلع 2019، تنفيذ اتفاق يقضي بخفض إنتاج الخام بواقع 1.2 مليون برميل يوميا، ينتهي في مارس 2020.
وتتحمل السعودية العبء الأكبر من هذا الاتفاق كونها أكبر مُصدر للنفط في العالم بنحو سبعة ملاين برميل يوميا وثالث أكبر منتج بقرابة عشرة ملايين برميل يوميا.
بجانب انخفاض الإنتاج، جاء تراجع أسعار النفط كعامل إضافي للضغط على القطاع النفطي السعودي، حيث تشير بيانات "أوبك" إلى تراجع أسعار الخام العربي الخفيف، الذي تنتجه وتصدره السعودية، بنسبة 5.4 في المائة في الربع الثاني 2019، تماشيا مع التراجع الذي شهدته جميع الخامات.
وانخفض متوسط سعر الخام العربي الخفيف إلى 68.7 دولار للبرميل في الربع الثاني 2019، مقابل 72.6 دولار للبرميل في الفترة نفسها من 2018.
ويُعد انكماش القطاع النفطي في الربع الثاني 2019 هو الأول منذ الربع الرابع 2017 عندما انكمش بنسبة 4.74 في المائة.
وتوزعت مساهمة القطاع غير النفطي بين 40.7 في المائة للقطاع الخاص، و16.6 في المائة للقطاع الحكومي.

القطاع الخاص "قاطرة" النمو

على الجانب الآخر، نما القطاع غير النفطي بنسبة 2.94 في المائة، بعد أن بلغ 368.4 مليار ريال في الربع الثاني من 2019، مقابل 357.9 مليار ريال خلال الربع الثاني من 2018، بزيادة تبلغ 10.5 مليار ريال.
ونمو القطاع غير النفطي في الربع الثاني 2019 هو الأعلى خلال أربعة أعوام "منذ الربع الثاني 2015 الذي حقق خلاله نموا بـ3.3 في المائة".
وكان القطاع الخاص قاطرة النمو للقطاع غير النفطي والناتج المحلي السعودي إجمالا في الربع الثاني من 2019، بعد أن ارتفع بنسبة 2.94 في المائة، بناتج قيمته 261.8 مليار ريال، مقابل 253.2 مليار ريال في الربع الثاني من 2018، بزيادة قيمتها 8.7 مليار ريال.
والنمو المحقق في القطاع الخاص خلال الربع الثاني 2019، هو الأعلى خلال ثلاثة أعوام ونصف "منذ الربع الرابع 2015 حينما نما القطاع الخاص بنسبة 3.5 في المائة".
أما القطاع الحكومي وهو الرافد الآخر للقطاع غير النفطي، فقد نما بنسبة 1.76 في المائة، بعد أن بلغ نحو 106.5 مليار ريال مقابل نحو 104.7 مليار ريال، بزيادة قيمتها 1.8 مليار ريال.
وخلال الربع الثاني من عام 2019، بلغت مساهمة القطاع النفطي 42.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للسعودية، في حين مساهمة القطاع غير النفطي تبلغ 57.3 في المائة، ورسوم الاستيراد 0.6 في المائة.

أنشطة اقتصادية ضاغطة على النمو

بالطبع انكمشت الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع النفطي خلال الربع الثاني من 2019، فيما قادت الأنشطة ذات العلاقة بالقطاع غير النفطي، نمو الناتج المحلي.
وانكمش نشاط التعدين والتحجير بنسبة 2.9 في المائة "7.5 مليار ريال"، إلى 248.7 مليار ريال، مقابل 256.2 مليار ريال قبل عام، بسبب رئيس من انكماش نشاط الزيت الخام والغاز الطبيعي بنسبة 3 في المائة.
يضم نشاط التعدين والتحجير، أنشطة: الزيت الخام والغاز الطبيعي ونشاطات تعدينية وتحجيرية أخرى.
كما انكمش نشاط الصناعات التحويلية بنسبة 2.3 في المائة "1.8 مليار ريال"، إلى 76.2 مليار ريال، مقابل نحو 78 مليار ريال قبل عام، ويشمل النشاط تكرير الزيت، وصناعات أخرى.
أما القطاع الثالث الذي سجل انكماشا، فهو نشاط الكهرباء والغاز والماء، منكمشا بنسبة 6.3 في المائة "628 مليون ريال"، إلى 9.3 مليار ريال، مقابل 9.9 مليار ريال في الربع الثاني 2018.

أنشطة اقتصادية قادت النمو

أما الأنشطة الاقتصادية التي قادت النمو في الربع الثاني 2019، فتصدرتها أربعة أنشطة بشكل رئيس.
أكثر الأنشطة الاقتصادية دفعا لنمو الناتج المحلي كان نشاط خدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، حيث أضاف 3.5 مليار ريال جديدة إلى الناتج، بعد أن بلغ 67.3 مليار ريال، مقابل 63.8 مليار ريال قبل عام، مرتفعا بنسبة 5.4 في المائة كأعلى وتيرة خلال عامين ونصف.
ونشاط "خدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال" يقصد به بندان رئيسان: الأول ملكية المساكن ويشمل تقدير إيجار المباني السكنية، سواء كانت مدفوعة "مؤجرة للغير" أو محتسبة "مشغولة بواسطة مالكيها".
والبند الثاني يمثل خدمات المال، ويشمل أنشطة الخدمات المالية والتأمين، وتشمل أنشطة تمويل التأمين وإعادة التأمين وصناديق المعاشات التقاعدية، أما خدمات الأعمال فتشمل الأنشطة المساعدة لأنشطة خدمات المال وخدمات التأمين.
أما النشاط الثاني فهو "تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق"، الذي أضاف 3.1 مليار ريال جديدة إلى الناتج، بعد أن بلغ 57.2 مليار ريال، مقابل 54.1 مليار ريال قبل عام، مرتفعا بنسبة 5.8 في المائة، وهي أسرع وتيرة منذ الربع الثالث 2014.
وتنقسم "تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق" إلى قسمين، الأول تجارة الجملة والتجزئة، ويقصد بها تجارة السلع المشتراة بغرض بيعها بحالتها نفسها، فيما الفنادق والمطاعم تشمل تقديم الوجبات والإقامة.
والنشاط الثالث الذي دعم نمو الناتج، كان النقل والتخزين والمعلومات والاتصالات، الذي نما بأعلى وتيرة في خمسة أعوام ونصف، بنسبة 6.4 في المائة "2.4 مليار ريال"، إلى 39.8 مليار ريال، مقابل 37.4 مليار ريال.
وتشمل أنشطة "النقل والتخزين والاتصالات"، النقل البري والنقل المائي والنقل الجوي والنقل عبر الأنابيب والتخزين وخدمات البرق والبريد والهاتف وتشمل أنشطة النشر وإنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية والتسجيلات الصوتية والإذاعة وخدمات المعلومات.
رابعا، نشاط التشييد والبناء الذي نما بنسبة 4.9 في المائة "1.3 مليار ريال"، إلى 28.5 مليار ريال، مقابل 27.2 مليار ريال في الربع الثاني من العام الماضي.
واستفاد نشاط التشييد والبناء من مشاريع الدولة العملاقة، ومشاريع وزارة الإسكان الهادفة إلى رفع نسب تملك المواطنين مساكنهم إلى 60 في المائة بحلول 2020، و70 في المائة في 2030، كأحد أهم برامج "رؤية المملكة 2030".
وأدى زحم المشاريع إلى تحقيق نمو للربع الثاني على التوالي، بعد انكماش لثلاثة أعوام متواصلة "منذ مطلع 2016 حتى نهاية 2018".

السيناريو المرجح

من المرجح أن تبقي الدولة على سياستها النفطية الحالية، مع التركيز على دعم القطاع غير النفطي كأحد أهداف "رؤيتها"، ولا سيما القطاع الخاص، بإشراكه أكثر في الاقتصاد، وفتح السوق للاستثمار الأجنبي لدعمها.
وتوقع صندوق النقد الدولي، في تقرير حديث، نمو الناتج المحلي غير النفطي في السعودية بنسبة 2.9 في المائة، وهو ما اتفقت معه الحكومة السعودية.
وكانت وزارة المالية قد توقعت نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة عام 2019 بنسبة 2.6 في المائة، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي نموه 1.9 في المائة، والبنك الدولي 1.7 في المائة.
ونما الناتج المحلي السعودي بنسبة 2.2 في المائة في 2018، بعد انكماش بنسبة 0.9 في المائة في 2017.

ماذا يعني الناتج المحلي الإجمالي؟

الناتج المحلي الإجمالي هو عبارة عن القيمة السوقية لكل السلع النهائية والخدمات المعترف بها بشكل محلي، التي تُنتَج في دولة ما خلال فترة زمنية محددة.
والناتج المحلي الاسمي "الأسعار الجارية" هو الذي يتم تقييمه بأسعار السوق الحالية.
أما الناتج المحلي الحقيقي "الأسعار الثابتة" فهو الذي يقيس الكميات الفعلية من السلع والخدمات المنتجة بالأسعار الثابتة لعام محدد، هو 2010 بالنسبة إلى الناتج المحلي السعودي.

*وحدة التقارير الاقتصادية

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات